يعتبر الجنس أحد الطابوهات المحاطة بخطوط حمراء في المجتمعات العربية، إذ يتم التعامل معه بحساسية مفرطة، غير أن المفارقة الغريبة أن موضوع الجنس كان موضوعا مطروقا متحدثا بشأنه، وفي أحيان غالبة، بكثير من التفصيل في المجتمع الإسلامي الأول على عهد الصحابة رضى الله عنهم والتابعين، لأن القاعدة المستحكمة كانت هي “لا حياء في الدين” ولا حياء في طلب العلم. ولئن كان من الصعب علينا الإجابة عن سر هذا التحول في نظرة المجتمعات العربية الإسلامية إلى الجنس -إذ يستلزم ذلك دراسات تاريخية وسوسيو ثقافية لفهم الأسباب والدواعي – فإنه من الممكن تكوين فكرة عن فلسفة الجنس في القرآن من خلال تتبع المفردة الجنسية المبثوثة بين السور والآيات.

حسب العديد من الدراسات فإن جزء كبيرا من مشاكل الأزواج المسببة للطلاق أو التي تعكر صفو العلاقة بين الزوجين تبدأ من غرف النوم، نتيجة عدم إدراك أحد الزوجين أو كليهما لأهمية العلاقة الجنسية إما جهلا أو تجاهلا أو بسبب سوء التربية، فالجهل بالدين والحياء الزائف والنفاق الاجتماعي وثقافة “حشومة” جعل من موضوع الجنس “طابوها” لا يمكن الاقتراب منه، وكأنه عيب أو حرام. وللأسف اختارت الكثير من النخب العلمائية الإسلامية -فقهاء دعاة مثقفين- ممن تعيش مرفهة في أبراجها العاجية معزولة عن الواقع اليومي عدم الخوض فيه، والإجابة عن أسئلة الناس وحاجاتهم، رغم أن الإسلام تعامل مع الموضوع بقمة الواقعية باعتباره أحد الشهوات والغرائز التي وضعها الله في الإنسان، ورغم أننا نجده حاضرا بشكله الطبيعي -دون تقزيم ولا تضخيم- في حياة الصحابة يتحدثون عنه ويستفسرون عن بعض قضاياه لا يمنعهم الحياء المصطنع المتكلف، لأنهم اعتبروه من الدين وأطروه بالدين، لذا فمن المؤكد أن الإسلام هو دين الواقعية بامتياز وأنه لم يكبت الغرائز أو يقبرها ولم يدع إلى رهبانية تخالف سنة الله في خلقه، لذلك تعامل مع “شهوة الفرج” أو الجنس بمنتهى الوضوح، فكان طبيعيا أن يشغل الموضوع أبوابا طويلة عريضة في كتب الفقه، كما أن علماء المسلمين ألفوا تآليف في سعادة الجسد، وفصلوا في الإمتاع والإشباع بغاية الإحصان للزوجين، لكونه أحد أسباب الاستقرار النفسي والعاطفي والأسري، وقد يتعجب البعض من مثل ما روته السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها في حديث “العسيلة”، وملخصه أن امرأة صحابية تريد التطليق لصغر حجم عضو زوجها، والصحابة يسمعون والرسول يتبسم ويصدر حكما في النازلة ولا يزجرها.

فالإسلام وضع قواعد عامة للحياة الجنسية، وارتقى بالعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة إلى مرتبة الحقوق المتبادلة ووضع لها إلى جانب القواعد آدابا ذوقية راقية، كما سما بالجنس من مجرد علاقة بدنية بهيمية دوابية إلى علاقة روحية وقلبية، تصل إلى مرتبة العبادة التي ينبغي لكل من الزوجين أن يؤديها على أحسن وأكمل وجه، وسمى الاتصال الجنسي بين الزوجين جماعا ومعاشرة كناية على أن هذه العلاقة يراد لها جمعا بين جسدين وروحين وقلبين دنيا وأخرى لأن الدنيا معبر للآخرة في فلسفة الأديان السماوية ومنها الإسلام. وإلى جانب التقعيد الفقهي والشرعي والتأطير الأخلاقي لم يغلق الإسلام باب التعلم من الغرب أو من الحكمة الإنسانية المشتركة، وما راكمته من خبرات في مجالي الثقافة الجنسية والطب الجنسي، عن طريق التجربة والبحث الطبي الإكلينيكي، حول فيزيولوجية الجنس وخارطة الإثارة في الجسم ودور الهرمونات والغدد في الإثارة، بدون انحلال أو إباحية، لأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.

لهذا فالحديث عن الجنس والتربية الجنسية ليس دعوة إلى الإباحية أو لإشاعة الفاحشة بين الناس أو تشجيعا على الزنى والخنا أو تشجيعا على الفساد، فمعرفة الصبي والفتاة بعلامات البلوغ، وتعرفهم على أعضائهم الحميمية “عوراتهم”، وتعليمهم الطهارة والغسل بعد الحيض ومن الجنابة وأسس النظافة الأولية، كحلق شعر الإبطين والعانة، من أوجب الواجبات على الآباء والأمهات، وهي المقدمة لتربية جنسية سليمة هي من الدين، تربية ينبغي أن تساهم فيها المدرسة في برامجها التعليمية والمسجد والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني بشكل متكامل، يقدمون المعلومة الصحيحة مع التوجيه الأخلاقي اللازم، فالتربية والتثقيف الجنسي لا يعني توزيع العوازل الطبية مجانا بشكل عبثي في المدارس والثانويات على القاصرين دون توعية بفلسفة الجنس ونتائجه ومسؤولياته، لأن المجتمع برمته هو من يتحمل نتائج سلوك قد يعتبره البعض حرية شخصية واختيارا فردانيا حرا، إذ من يتحمل مسؤولية رعاية اللقطاء والمتخلى عنهم من الأطفال؟ ومن يتحمل مسؤولية الأمهات العازبات اجتماعيا وقانونيا واقتصاديا؟ ومن يتحمل مسؤولية أجيال من المعاقين النفسيين والمعنفين؟ أليس مؤسسات المجتمع ومن أموال دافعي الضرائب؟ ففي الغرب تم التوافق على النموذج المجتمعي قيميا وثقافيا وسياسيا إلى حد ما، لكن في مجتمعاتنا الإسلامية لم تحسم الاختيارات ويظل النموذج “المحافظ” هو السائد اجتماعيا وثقافيا.

يمكن مقاربة نظرة الإسلام لموضوع الجنس من خلال عدة مستويات تعطي صورة واضحة عن فلسفة ورؤية الإسلام للجنسانية: ففي مستوى أول وضع القرآن الكريم باعتباره المصدر الأسمى للتشريع القواعد الكلية والشمولية المؤطرة لفلسفة الجنس والواضعة للأسس الأخلاقية والآداب العامة، في حين عالجت السنة النبوية تفاصيل الموضوع من خلال معالجة النوازل اليومية بالإجابة عن فتاوى الصحابة رضي الله عنهم واستفساراتهم، وفي مستوى ثالث غطى الاجتهاد الفقهي بالاعتماد على الكليات المؤسسة مساحات الاجتهاد في ما يستجد من حياة المجتمع من أقضية وحوادث بتعبير الفقهاء، كما اهتمت العديد من البحوث قديما وحديثا بالمستوى العملي الإجرائي في إطار ما يسمى بالتربية الجنسية. وسيحاول هذا البحث التركيز على المستوى الأول من خلال مقاربة الإطار الأخلاقي العام/ الآداب العامة الذي وضعه القرآن الكريم للجنس في الإسلام. فبين ادعاء الطهرانية والتعامل مع الجنس كأنه منقصة أو خطيئة أو ضعف وبين الفضائحية والإثارة الإيروتيكية كان الخطاب القرآني صريحا وواضحا ومبلغا باعتباره كتاب بلاغ وتشريع، ولكن في نفس الآن كان عفيفا دقيقا في اختيار المصطلح والتعبير، وهذا ما سنعرض له من خلال تحليل المصطلح الجنسي في القرآن الكريم والسياقات التي حكمته ضاربين الصفح عن الميراث الفقهي الذي تعج به كتب الفقه والنوازل.

المفردة الجنسية في القرآن وسياقاتها

يحفل القرآن الكريم بالعديد من المفردات التي لها حمولة جنسية مباشرة أو مدلولات رمزية إيحائية من قبيل النكاح، الزنى، الفاحشة، الفرج، المني، المباشرة، اللمس، الرفث، البغاء، المعاشرة، البكارة، وردت في سياقات أربع:

1/ السياق التشريعي من خلال آيات الحلال والحرام

رغم أن مساحة العفو في الإسلام شاسعة، لأن الأصل في التشريع الإباحة ومن يريد التضييق يحتاج إلى دليل وليس العكس، فممارسة الجنس مؤطرة بمصطلحين كبيرين متقابلين يرسمان حدود الفعل الجنسي، هما النكاح والزنا المتكرران بشكل لافت في النصوص القرآنية.

النكاح: يطلق بمعنيين فهو حقيقة العملية الجنسية وعينها، وهو أيضا المؤسسة أي الزواج، وهو عند العرب إجمالا كل عملية جنسية تتم في إطار مؤسسة الزواج. يقول صاحب لسان العرب: نَكَحَ فلان امرأَة يَنْكِحُها نِكاحاً إِذا تَزوجها. ونَكَحَها يَنْكِحُها: باضعها أَيضاً، وقال الأَعشى في نَكَحَ بمعنى تزوج، وقال الأَزهري: وقوله عز وجل: الزاني لا ينكح إلا زانية أَو مشركة والزانية لا ينكحها إِلا زانٍ أَو مشرك؛ تأْويله لا يتزوج الزاني إِلا زانية، وكذلك الزانية لا يتزوجها إِلا زان؛ وقد قال قومٌ: معنى النكاح ههنا الوطء، فالمعنى عندهم: الزاني لا يطأُ إِلا زانية والزانية لا يطؤُها إِلا زان؛ قال: وهذا القول يبعد لأَنه لا يعرف شيء من ذكر النكاح في كتاب الله تعالى إِلا على معنى التزويج؛ قال الله تعالى: وأَنْكِحُوا الأَيامَى منكم؛ فهذا تزويج لا شك فيه؛ وقال تعالى: يا أَيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات؛ فاعلم أَن عقد التزويج يسمى النكاح، وأَكثر التفسير أَن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين فقراء بالمدينة، وكان بها بغايا يزنين ويأْخذن الأُجرة، فأَرادوا التزويج بهنَّ وعَوْلَهنَّ، فأَنزل الله عز وجل تحريم ذلك. قال الأَزهري: أَصل النكاح في كلام العرب الوطء، وقيل للتزوّج نكاح لأَنه سبب للوطء المباح. وقال الجوهري: النكاح الوطء وقد يكون العَقْدَ، تقول: نَكَحْتُها ونَكَحَتْ هي أَي تزوَّجت. وفي فلك هذه المفردة تدور مفردات الاستعفاف والإحصان وأيضا عقود النكاح الفاسدة أو الباطلة وكافة أحكام الزواج والطلاق التي نصت عليها متون الفقه وحواشيها.

الزنا: العهر والفجر وهو كل فعل جنسي كامل خارج الشرع، وخارج مؤسسة الزواج، وبالتالي يترتب عنه حكم الحد إما جلدا أو رجما. وقد يطلق في سياق مجازي كما ورد في حديث “أيما امرأة استعطرت وخرجت ليجد الناس ريحها فهي زانية” فالوصف هنا وصف مجازي زجري وليس وصفا شرعيا، ولهذا دقق الفقهاء كثيرا في أركان تحقق جريمة الزنا، ولم يعتبروا كل فعل جنسي هو جريمة موجبة للحد، إذ أن هناك فرقا بين التحريم والتجريم، فالقبلة واللثم والاحتضان مثلا تدخل في مساحات العفو التي يمحوها الاستغفار والتوبة. وقد حد الشيخ خليل المالكي في مختصره تعريفا للزنا: وطء مكلف مسلم فرج آدمي لا ملك له فيه باتفاق تعمدا)، وهذا التعريف على اختصاره فهو مانع جامع. وتندرج تحت خانة الزنا عدة مفردات كالبغاء والمسافحة والمخادنة والفاحشة، وقد وردت في العديد من الآيات القرآنية وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام: 151]، ومُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ [المائدة: 5]، و مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [النساء: 25].

البغاء: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور: 33]. البغاء يقصد به ممارسة الجنس بمقابل مادي وقد كان معروفا قبل الإسلام فأبطله بشكل تدريجي راعى فيه الظروف الاجتماعية المحيطة.المخادنة: وهي الممارسة الجنسية السرية مع وجود عشيق واحد فقط، وروى فخر الدين الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب وابن عادل الحنبلي في تفسيره اللباب في علوم الكتاب أن العرب لا تسمي المخادنة زنا.المسافحة: وهي الممارسة الجنسية المتعددة، ويقصد بها تعدد الشركاء والممارسة ونصت كثير من التفاسير على أن العرب قبل الإسلام لا يعتبرون المخادنة عيبا، بل هي أمر مقبول، بينما تعتبر المسافحة خطأ وأمرا محرما.

2/ السياق العلمي من خلال آيات الخلق والنشأة

من خلال آيات الخلق المتكررة في القرآن الكريم، والواردة لترسيخ العقيدة في النفوس والتدليل على عظمة الخالق وقدرته، تحضر المفردة الجنسية بقوة في سياق إعجازي علمي بيولوجي من خلال الحديث عن تشكل الأجنة وعن رحلة الخلق من الحيوان المنوي إلى البعث: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، وخلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب، وأفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون، وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وقَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا.

والملاحظة الكبرى، أنه حتى في سياق تقديم المعلومة العلمية، ظل النص القرآن وفيا لخطه الأصيل في احترام الآداب العامة وعدم المس بالحياء العام باصطناع لغة حيية، ليضرب المثال على طريقة التناول البيداغوجي التي يمكن أن يعالج بها موضوع الجنس.

3/ السياق التاريخي من خلال القصص القرآني

في سياق تأسيسه الحضاري لمجتمع قائم على القيم، حرص الإسلام دائما ومن خلال القرآن الكريم على عرض نماذج من سلوكات اجتماعية واقتصادية وثقافية لمجتمعات سابقة، للاستفادة من دروس التاريخ وعبره. ومن أهم الوقائع التاريخية التي خصها القرآن بالذكر، والتي لها علاقة بموضوع الجنس، قصتي قوم لوط ويوسف، والتي أوردها في سياق التمثيل والانتقاد لممارستين جنسيتين منحرفتين هي الشذوذ الجنسي والخيانة الزوجية، أو ظاهرة الفوضى الجنسية التي كانت نتائجها وخيمة على تفكيك بنيات المجتمعات السابقة ودمارها كمدينتي سدوم وغومورا. وردت قصة لوط مع قومه في الكتب السماوية كلها وتكررت في عدة مواضع في القرآن الكريم: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِيْنَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ ربُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ عَادُونَ (الشعراء: 160-168). ووَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَومِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِيْنَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ (العنكبوت: 28-29). وقَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِيْ فَلاَ تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوْا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ (الحجر: 68-69). ووَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (القمر: 37-38). ووَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِيْنَ إِنَّكُم لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسآءِ بَلْ أَنْتُم قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (الأعراف: 80-84).

وفي هذه الآيات نجد المفردة الجنسية حاضرة بشكل مكثف إتيان، شهوة، ذكران، النساء، مراودة، الفاحشة، الفضيحة، الطهرانية، الرجال، الحب، الشغف، القبل، الدبر.

4/ السياق اللغوي: عفة في اللفظ وانتقائية بالغة وتكثيف للمصطلح

إن من أول الملاحظات التي يمكن تسجيلها على الخطاب القرآني حين معالجته للسياقات السابقة إما تشريعا أو تأريخا هي اختياره الدقيق للمفردة الجنسية المبلغة غير الخادشة للحياء بخلاف الكتب السماوية السابقة المحرفة التي تحدثت بشكل فج عن الجنس، فالقرآن الكريم وهو “المعلم الأكبر”، تطرق لمواضيع حساسة للغاية في موضوع الجنس بمنتهى البلاغة مع منتهى الوقار والحشمة، في سياق تربوي عبادي توجيهي عام نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين فهذه الآية مثلا جمعت كل فنون وضروب الجنس بأسلوب فيه كناية ومجاز في سياق عبادي، فهي شبهت عملية الجنس بالحرث الذي يتطلب مهارة وعلما ومتابعة وتعهدا وتوكلا حقيقيا، وأيضا ارتباطا عاطفيا ووجدانيا كما يرتبط الفلاح بالأرض، كما أنها جعلت العملية غير محددة لا بزمان ولا بمكان ولا بوضعيات معينة، وليس مثل جنس “الكوشر” عند بعض طوائف الأورتذوكس، “أنى شئتم” أي متى وكيف، “وقدموا لأنفسكم” أي حث على الملاعبة والمداعبة وفنون التغنج ومقدمات الجماع من مص وتقبيل وحديث وإثارة قبل المواقعة، واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين وضع للجنس في إطاره باعتباره باعتباره جزء من منظومة وجودية واجتماعية متكاملة، كما في كل الثقافاث والديانات. ففي الغرب مثلا تشكلت الرؤية للجنس في حوض الفلسفة الفرويدية وروافد الانحلال الإغريقي، والخلاعة الأوربية الأصيلة،… ففي فلسفة فرويد تأخذ رموز الطوطم والطابو مكان الرمزية الإغريقية التي كانت تستأنس بفحشاء الآلهة وتنصب في الأماكن العامة تماثيل الفعل اللوطي. كل أصول التركيبة الاجتماعية البشرية هي في فلسفة فرويد راجعة للشهوانية. وإن أزمة الحضارات منبعها الصراع بين شهوة الأفراد البهيمية وبين النظام الاجتماعي القامع).

هذه العفة البالغة في انتقاء مفردة الجنس في القرآن، الذي كنى عن الممارسة بالمباشرة واللمس والمس والتغشي والإفضاء، لن ندركها إلا حين نقابلها ونقارنها بمشاهد جنسية عاهرة في النصوص الدينية الأخرى. كما ينبغي تسجيل ملاحظة أنه بالرغم من نسبة الأفعال إلى المذكر بحسب لغة العرب غير أن الفعل الجنسي هو فعل تشاركي وبالاختيار بين الجنسين وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.

من المؤكد أن الاسلام، من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية واجتهاد الفقهاء المعتبرين، تعامل مع الجنس بشكل إيجابي كغريزة ينبغي أن تؤطر بالوحي لا بالهوى والنزوات، لهذا اعتبره واجبا اجتماعيا ووسيلة للاستخلاف واستمرار النوع وهو في هذا المستوى يتفق مع باقي الشرائع السماوية “تنسالوا تكاثروا”، كما اعتبره في مستوى ثان حقا إلاهيا استخلافيا لاستمرار النيابة عن الله في الأرض “اظفر بذات الدين”، أما في المستوى الثالث فقد جعل منه لذة ومتعة لإشباع الغريزة وإرواء الشهوة “هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك” وعلى هذا المستوى يخالف الإسلام باقي الأديان التي اعتبرت غاية الجنس الأولى هي التكاثر واستمرارية النوع، فمثلا يرفض القديس “أوغسطين” -من كبار رجال الدين المسيحي في العصر الوسيط- ما أطلق عليه “الجنس الجاف”، أي كل ممارسة تستهدف المتعة دون التوالد والإنجاب، وتصر النصوص اليهودية على تحريم اللذة غير المقترنة ب”الهدف الأسمى أو الهدف الإلاهي” أو هدف الطبيعة، كما سمّاها المتأخّرون، وهي التناسل وزيادة النسل.

ومن المؤكد أيضا أنه أمام هذا الطوفان الإعلامي والقصف الإباحي عبر الفضائيات والإنترنيت، وأمام هذه الظروف الاقتصادية الصعبة كالبطالة وغلاء المعيشة، وانعدام السكن وارتفاع تكاليف الزواج، وطول مدة الدراسة، وضعف الوازع الديني، وعدم وجود التوجيه التربوي، أننا نحتاج إلى اجتهاد علمي فقهي ووعي تربوي وأخلاقي يعصم الشباب من هذا الطوفان الجنسي الهائل، فلا تكفي مواعظ العالم والفقيه الباردة، ولا تكفي أساليب الوقاية كالمطالبة بغض البصر ومنع الاختلاط والصيام والعفة، بل نحتاج حلولا واقعية بخطاب قرآني عصري، يسمي الأشياء بمسمياتها بعيدا عن جدران القداسة والطابوهات. فالسكوت عن الجنس ومشاكله مرفوض، كما أن التطبيع الاصطلاحي إعلاميا مع الفاحشة والزنا واللواط بأسماء كالدعارة والفساد والمثلية هو تطبيع مرفوض، هذا التطبيع المتعمد من جهات مشبوهة مع بعض الظواهر الغريبة على مجتمعاتنا كأبناء الزنا والسفاح والحرام والزانيات والعاهرات، تحت مسميات الأمهات العازبات أو الأطفال المتخلى عنهم أو “عاملات الجنس” مرفوض، لأنه تدمير لقيم المجتمع وتشجيع على الزنا والفاحشة وجرأة على الدين، حتى صرنا للأسف نجد من يطالب بحقه في اللواط جهارا نهارا، ويؤسس جمعيات للدفاع عن اللوطيين والسحاقيات في المجتمعات العربية الإسلامية.

المراجع

– القرآن الكريم

– صحيح البخاري

– لسان العرب، ابن منظور

– تنوير المؤمنات، عبد السلام ياسين