خلال يوم عيد الضحى وأيام التشريق يصدح ملايين المسلمين في بيوت الله في كل أرجاء المعمور بـ”الله أكبر” ثلاث مرات عقب كل صلاة. فكيف أصبحت “الله أكبر” قرين إدانة للإسلام والمسلمين؟ كيف أضحى الحديث عن الجهاد تهمة وغدا مرادفا للقتل والتقتيل بعد أن كان عنوانا للحرية والكرامة وعزة الأمة؟ أي مسافة بين رسالة الإسلام كما لخصها ربعي بن عامر: “نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جَـوْر الأديان إلى عدل الإسلام” وبين “فهم للإسلام” يستبيح القتل ويستهدف الأرواح والأعراض والأموال باسم الجهاد وتطبيق الشريعة الإسلامية؟

“الله أكبر” أذان للجهاد استجابة للنداء القرآني المتجدد: “يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسُـول إذا دعاكُم لما يُحييكم” (سورة الأنفال: 24). الجهاد في قاموس العصر إرهاب. الجهاد اليوم بأبوابه الكثيرة، يختزل -لمآرب في نفوس أعداء الأمة- في القتال واستهداف الأبرياء وليس مقاومة للعدوان. الجهاد نقيض للتثاقل والتولي عن مقتضيات تبليغ رسالة الإسلام رحمته وعدله وسماحته إلى العالمين تأسيسا لعمران أخوي يسع الانسانية ويبني جسور الثقة والتعاون ويبدد المخاوف لا تسلطا على الخلق وتهديدا للسلم العالمي.

الجهاد يعني تعبئة الجهود لبناء صرح الأمة في سائر مناحي الحياة، فلا جهاد إلا في إطار مشروع مجتمعي تحرري تُعبّأ له الإرادات ويُتنافس في البذل من أجله، ولا تعبئة حقة إلا في نظام سياسي يضمن الحريات، حرية الرأي وحرية النقد وحرية الاقتراح وحرية المبادرة المسؤولة المنضبطة ويضمن تداول السلطة؛ ولا تعبئة إلا بتربية وتعليم يغرسان الولاء السليم للمشروع وليس لشخص الحاكم أو النظام، تربية وتعليم يحاربان غشاوة الفكر ويلقحان الأجيال من الهزيمة النفسية وترسبات الغزو الفكري-الثقافي.

جهاد التنمية وتحقيق الكفاية شرط لعزة الأمة، فأي سيادة وأي استقلال والأمة تتسول خبزها على موائد الاستكبار ولو بالعملة الصعبة. الجهاد التأهيلي الإنتاجي التصنيعي مقدمات التحرر الكامل.

“الله أكبر” مفتاح وكلمة سر لرفع منسوب اليقين في وعد الله ونصره لعباده متى استكملوا شروط التأييد الإلهي، مطلوب اليوم أن تترجم برنامج عمل لانبعاث الأمة قصد التخلص من إرث قرون الاستبداد والظلم التي أحالت المسلمين قصعة الأمم فاستُبيحت مقدساتهم ونُهبت مُقدراتُهم وسُلبت إرادتهم وصُودر قرارُهم، فهُم اليوم صفرٌ على اليسار لضبط التوازنات الدولية ورحى الصراعات المفتعلة يخوضون حروبا بالوكالة.

“الله أكبر” مطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تفعليها لتفتيت صخور التخلف ومشتقاته في مجالات شتى ومنها:

– تربية تغرس الولاء السليم لمشروع الأمة التحرري وتنمي الاعتزاز بالانتماء إليه فيترجم بذلا وتضحية.

– تعليم نافع يحرر العقول من عقال التبعية ويكسب المهارات والخبرات العملية.

– تقديم نموذج حي وسليم في مختلف مناحي الحياة، في الحكم والتداول السلس على السلطة، في الاقتصاد المنتج للثروة لا الرهان على استنزاف الثروات الطبيعية، في الاجتماع توفيرا للخِدْمات الأساسية وضمانا للكرامة الآدمية للإنسان، في الأخلاق تأسيسا لقيم التعايش والتسامح، في الفنون ترسيخا لقيم الجمال التي هي لبُّ ديننا، وفي الحديث: “”إن الله جميل يحب الجمال””؛ نموذج إسلام يمشي في الأسواق وبين الناس رحمة وسماحة وحسن جوار وتعايشا واستيعابا وانفتاحا وقدرة على الإقناع بالتي هي أحسن.

– تعبئة الجهود إذكاءً لروح التطوع ومسارعة للعطاء والبذل، ولا يفيد الخطاب التعبوي ما لم يقترن بالفعل والعمل، وإلا فهو الإفلاس والبوار: “يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون” (سورة الصف: 2). وعلى قدر صدق الخطاب تؤتي التعبئة ثمارها، وإلا فلسان حال الشعوب يقول: “فاذهبْ أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون” (سورة المائدة: 26).

– التصدي للفساد والاستبداد استعادة لإرادة الأمة وامتلاكا لقرارها.

– رفض مخططات بلقنة الأمة ونشر نعرات طائفية أو قبلية أو قطرية والسعي لتوحيد صف الأمة، فالوحدة وإن كانت ضرورة شرعية فهي اليوم مطلب حيوي، والتعاون في الاقتصاد والتنمية من أهم عوامل التوحيد.

عناوين كبرى وبعض أبواب جهاد البناء وجب أن ترفع فيها “الله أكبر”، ويشمر فيها الصادقون والصادقات من أهل الإيمان على ساعد الجد، ويرفعون لواء “حي على الفلاَح” لتستعيد الأمة عزتها وهيبتها، ودون ذلك عقبات، “الله أكبر” وحدها، متى ملأت القلوب ووجهت الإرادات كفيلة بتذليلها.