تتزايد وتيرة اقتحامات الصهاينة للمسجد الأقصى بشكل كبير ومخيف، بزعامة السياسيين الإسرائيليين وبحماية جيش الاحتلال حتى غدت أمرا واقعا، يتكرر بشكل يومي تحت أنظار صناع القرار في الوطن العربي والإسلامي، دون أي رد فعل؛ ليمعن الصهاينة في انتهاكاتهم وتدنيس المقدسات والدوس على كرامة المسجد وحرمته، والنيل من رمزيته عند العالم الإسلامي في تحد سافر لمشاعرهم ومقدساتهم.

الاحتلال وحرب الاستفراد بأجزاء الوطن

لقد شن العدو المحتل الكثير من الحروب المتعددة والمختلفة، وكان من أهم استراتيجياته في الحرب على فلسطين تقسيمها إلى أشلاء متناثرة، فأخذ في كل مرة يستفرد بجزء من الوطن ليذيقه من ويلات جرائمه في تخطيط محكم، وهكذا بعد أن طوق الضفة الغربية وصارت كيانا مغلقا لا يستطيع الحياة إلا بموافقة المحتل، ولا صغيرة ولا كبيرة إلا بعد إذنه، وبعد أن حاصر غزة الإباء، وأعانه النظام الرسمي العربي على ذلك، وبعد أن رحل البدو في النقب وهدم البيوت على ساكنيها، وبعد أن سن القوانين التي تحد من حقوق فلسطيني 48، ليأتي الدور على المهجرين في الشتات، وبعد سلسلة السطو على منازل فلسطينيي القدس ومسلسل القتل والاعتقال والقمع وإطلاق يد المستوطنين إرهابا للصبايا والأطفال؛ بعد كل هذا لم يجد المحتل الغاصب غضاضة في أن يمس أقدس المقدسات في بلاد الإسراء أولى القبلتين.

وهكذا مهد الاحتلال بالتصريحات السياسية والمزايدات الانتخابية، والضغط على ساكنة فلسطين ليبدأ الاقتحام المتدرج والمتسلسل والمستمر لبوابات المسجد الأقصى وباحاته وساحاته في تصعيد خطير لم تكن ردة فعل المسلمين تجاهه في مستواه، ليجد المحتل الفرصة سانحة للإيغال في عنجهته والتفكير في اقتحام المسجد ثم التنفيذ في غفلة من الشعوب العربية والإسلامية المنغمسة في مآسي ومستنقعات فشل الأنظمة الحاكمة التي لا تجيد غير تقييد شعوبها وصناعة الذل، وأسر الأوطان ورهنها في أيدي قوى الاستكبار العالمي. أنظمة لا تجيد غير التفرج على مآسي الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، ولا تعرف إلا تلك المساحيق الممسوخة التي تتزين بها لتظهر على الشاشات وتخطب عنتريات كتبت لها لتموه على شعوب مستضعفة مغلوبة على أمرها.

ها هو الاحتلال يغلق معابر الحياة عن غزة فلا رجع ولا صدى، وهاهو يمنع مصاطب العلم في الأقصى فلا من يتحرك، وهاهم الساسة الصهاينة يدنسون الأقصى ولا من يندد، ولا صوت يشجب، وجدار الفصل يقطع الأوصال ويمنح الحياة بالتقسيط ولا ردة فعل، يقنن الصهاينة الصلاة في المسجد الأقصى وتحدد الفئات العمرية تبعا للأجندات الأمنية الصهيونية ولا من تستفزه الأفعال، ويدرك المحتل الصهيوني أن الأنظمة الجاثمة على العرب والمسلمين نجحت نجاحا باهرا في طمس أنفة المسلمين وغيرتهم حتى لم يعد يسمع لهم همس أو حس.

وتثاقل ألسنة الدعاة والخطباء، وتغرد بعيدا عن فلسطين ولا تنتصر للمسجد والصلاة (إلا مم رحم ربي)، وتخجل بعض التنظيمات الإسلامية التي غنمت الربيع العربي وتتراجع محوقلة عاجزة وقد أصابتها سهام الغثائية: فلا بيانا استنكاريا ولا فعلا مجتمعيا؛ ليترك المسجد الأقصى وحيدا لا يجد إلا سواعد المرابطات العزل إلا من إيمان راسخ بعدالة قضيتهم، إلى أن تنتفض العهدة العمرية، وتتحرك ركاب صلاح الدين، أو تنفض نخوة المعتصم الغبار عنها.

القدس في انتظار موجات الربيع العربي

لعل أنصع الفترات التي عاشتها فلسطين بقدسها وغزتها وأقصاها؛ هي تلك الفترة التي كانت فيها الشعوب العربية تسطر ملاحمها في الشوارع والساحات في المدن والقرى والمداشر على امتداد رقعة الوطن العربي، في أول موجات الانتفضات العربية، تبسمت غزة وتهلل وجه الضفة، واستبشرت القدس. نعم، تنفس الأقصى نسيم الحرية واستشعر الفلسطينيون حياة تدب في جسومهم وكرامة حرموا منها لعقود مظلمة، رغم فداحة التضحيات في ربوع الوطن إلا أن الأقصى أنار ضياء الأمل واستروح عبق عبير الحرية، تحركت ظلال صلاح الدين.

إن هذه اللحظة التاريخية التي مرت منها الأمة لأكبر شاهد على أصل دائها، وخير تشخيص للوهن الذي أصاب المسلمين في مقتل، وهو بداية الطريق في العلاج. والشعوب العربية في أولى موجات الربيع ونتائجها استوعبت الدرس الأول وزلزلت كثيرا من العروش والقيم والمفاهيم والتصورات ودفعت مقابل ذلك تذكرة باهضة الثمن، وهي من دون شك استوعبت التفاصيل لتدشين موجات أخرى أكثر فاعلية.

ومن دون شك أدركت الأنظمة الحاكمة البائعة للوطن والذمم بدراهم معدودة وكانت فيه من الزاهدين أن جذوة الشهامة والرجولة والمروءة في الشعوب العربية لم تخْبُ، إنما يغطيها ظلم الفسدة، وتترنح تحت أنقاض حكم العض والجبر، وهاهم يبذلون الوسع لإيقاف السيل بغسل الأدمغة في المدارس والجامعات، وتعتيم الصورة من إعلام المواطن، وتغييب القضايا الأم في البرامج والمناهج والسياسات، وإلهاء الطاقات في المعارك الجانبية. لكن هيهات للشمس أن تحجب بغربال، وهيهات لليل أن يكتم أنفاس الصبح مهما اشتد ظلامه.

كان من خلاصات الربيع العربية أن شرايين الحياة ممتدة على امتداد جغرافيا وتاريخ الوطن العربي الإسلامي، ولا حياة لجزء إلا بالآخر، بين القدس ودمشق ودوما وأجدابيا والإسكندرية وبغداد وفاس… تعلق عضوي، كل لا يتجزأ. ولإن كان الأقصى يرزح تحت الاحتلال ويصطلي بجحيمه فغيره في ربوع الوطن الإسلامي يرزح تحت نير احتلال العقول وتكبيل الإرادات، وإهدار مقومات القوة للشعوب. ولا خلاص إلا بهبة جماعية تأخذ بزمام الأمر، وترفرف بأجنحتها كل أجنحتها من إسار قرون العض والجبر والفتنة والانتظارية السلبية ونحلة الغالب ودين الانقياد.

فعل مجتمعي راشد

أمام نكوص النظام الرسمي، ودفنه لرأسه في التراب، بات من اللازم أن يمارس المجتمع المدني ضغطه وإحراج الفاعلين على اتخاذ الإجراءات التي تحفظ ماء وجه منظمات حقوق الإنسان، والعدالة الدولية، وقيم التحرر والحرية والمواثيق الدولية، تحرك يعي طبيعة الصراع ويدرك بنيوية ونسقية القضية، ويعدد مستويات الفعل سياسيا وثقافيا وتربويا وتعليميا وإعلاميا تجنبا لتبسيط التشخيص، ودرءا لردات الفعل المغلفة بالعاطفة المجنحة، والعمل على بناء فعل حقيقي مثمر يستثمر المقومات الحضارية، ويعيد النسج بناء على تقييم المنجز، واستحضارا لكل المتغيرات، واستدماج كل الدروس التاريخية الماضية والآنية.