يُعتبر “الحزب” نموذجا مُصغرا أو خريطة طبوغرافية للمحيط السياسي والاجتماعي الذي يتحرك فيه، فهو لا ينفك يعكس صورة النظام السياسي والارتباط الاجتماعي من داخله، شأنه شأن الخلية التي تحمل نفس الحمض النووي ومورثات مثيلاتها المكوِّنة لنفس الجسم. فما دام جزءا من كل فلا يمكن أن يستثني نفسه منه، إذ أفراده من ذاك المحيط نفسه يسيطر عليهم نفس الهوس الاجتماعي ويتحكم فيهم نفس اللاشعور، وإن كانت رذيلةً مستحكمة في العرف فهم ليسوا منها براء، ولهذا يعيدون إنتاج المجتمع داخل الحزب نفسه ليس على مستوى العلاقات الفردية فقط وإنما كذلك على مستوى التنضيد العمودي، فلا يحظى بالقرب من رأس الهرم إلا من يتوفر فيه شرطا الولاء والدهاء، أما الأخلاق والكفاءة فلا يبلغ بر الأمان من يجدف بهما في بحر السياسة.

وهذا راجع لأسباب عدة نورد منها ما نراه الأهم:

1) لا يمكن تصنيف الأحزاب حسب الحجم أو التاريخ النضالي أو أصل المنشإ استجابة لظرف تاريخي معين أو من “خطيئة” (حسب تعبير حسن أوريد)، أو بالأحرى عن مرجعيتها، كل هذه التصنيفات باتت من الماضي فلم تعد ذات فعالية يفيد التحقق من فعاليتها أم لا، إذ أضحى الأمر يدعو إلى إعادة بناء الخطاب السياسي كلية بما يفيد صواب أو خطأ مقولاته وهذا أمر يصعب تحقيقه حيث يجب تغيير بنية “العقل المُكَوَّن” حسب عبارة أندري لالاند بتغيير المعايير؛ فما دامت كل لغة عقل مكتوب، إذ يتعذر التفكير بدون لغة ولو في صمت، فالمقولات بالأحرى يجب أن تكون أكثر معقولية وأوضح بما يفيد الإفصاح دون تكلف، لكن الخطاب السياسي الحالي – مع اعتذاري للسياسيين الذين يتنافسون بمصداقية وهم قلة – مشوّش لأنه ليس أصيلا وليس عالِما: فالأصالة، أولا، تعني المصداقية، والمصداقية هي القوة والثبات وهما أمران نادرا- إن لم نقل عديما- الوجود في “بنية” العقل السياسي، لماذا؟ لسبب بسيط هو غياب الجانب الأخلاقي بالكلية، وعليه فالسياسة بدون أخلاق “رذيلة”. لاسيما وأن المنتخبين من جيلي أعرفهم حق المعرفة ليس عن طريق الزمالة أو القربى، وإنما لأننا تشاطرنا تقريبا نفس البيئة ورضعنا مرارة الرهَبِ حتى الثمالة، حيث مورس علينا الإكراه البدني ممن هو أقوى منا بدأ بالأمهات – أغلبِهن – اللائي كن يصببن القهر الذي كن يلقينه من الذكور على أطفالهن، أما الكتّاب فكان مَسلخة الصغار، متبوعا بالابتدائية حيث نحّتِ المغربة الأجانبَ ذوي الخبرة الواسعة في بيداغوجيا التعليم، لكي تطول معاناتنا مع المعلمين الذين انتقلوا من الكتاتيب إلى سلك التعليم لتتميم الجلد؛ ثم في سن المراهقة نكتشف أن ما أصابنا ونحن أطفال ما كان إلا قذى صغيرا في العين ظنناه العمى، لأننا وسط بحر لجي من المظلمات، وما الشرك إلا ظلم عظيم وليس هو الظلم. فكيف بجيل خزّن في لاشعوره هذا الخوف قد يحذر من أن يظلم ويخون ويبدد إن أُتيحت له فرصة القفز إلى ضفة “المحظوظين” مبتعدا عن “المحرومين” (إنهما لفظتان للجابري)، وواقع الحال يُعفيني من الإدلاء بأمثلة؛ فكان هذا الجيل وما زال بمثابة الحاضن للجيل الجديد الذي تربى في كنفه، ولهذا تطالعنا حملات انتخابية تتغنى ب: “الجودة هي الجودة”، “المعقول”، “محاربة الفساد”، هي عبارات – حسب المنطق الوضعي – إنشائية وجدانية لا يمكن الحكم عليها بالصواب أو الخطإ.

فتجديد الخطاب يعني تجديد الفهم الذي لا يتحقق إلا بتشريح اللاشعور والحد من رُهابه، وما هو إلا جزء من النفس التي تشمل العقل والوجدان والإحساس، وعليها يصدق قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الرعد 11)، فقد يَعسر على المدى القريب تجديد الخطاب ببناء مقولات على شاكلة المعادلات الرياضية، فمقولات ابن خلدون منذ القرن الثامن (8) ما زالت في أغلبها نضِرة، ويحدد دور الحاكم بتعريفه للسياسة بقوله: وأما سياسة الدنيا فبمقتضى رعايته لمصالحهم في العمران البشري) 1 ، وإن لم تتحقق هذه الرعاية على أحسن وجه فلا سياسة، خصوصا ونحن ندرك تماما تطليق الثلة العالمة لغالبية الأحزاب وللسياسة بعدما تدنّت قيمتها إلى مجرد بوق للعقل السياسي، وهذه هي العقبة الثانية، فتشويش الخطاب السياسي نابع من جهالته وعدم تقديره لعواقب الأمور بسبب ابتعاده عن العقلاء والحكماء، علما بأن كل قرار سقيم لا تتوقف نتائجه عند مُتخذيه وإنما يتعداهم في الزمان إلى الأجيال القادمة، وفي المكان يطال كل الشعب.

2) الحزب السياسي ليس مؤسسة تبني وتُعلم وتُصدِّر الوعي إلى غيرها، فهو ذو بعد واحد هو أمينه العام، حيث يحبد النظامُ العام وجها مألوفا يتواصل معه، حتى لا ترتبك المنظومة السياسية، وهذا ما يزيد من متانة وجوده، أما من داخل الحزب، لا يُبقي الأمين العام إلا على من لا يقول له “لا” وإلا وُجد هذا المعترض الجريء خارج الحزب يتشفع ليؤسس له حزبا خاصا به ولهذا تكثر الأحزاب عندنا، وهي من وجهة نظر علم الاجتماع السياسي حالة مرضية تُفصح عن سيطرة العقل القبلي المغلق الذي لا يقتسم “الغنيمة” مع من دونه. فالأمين العام ليس شخصية كارزمية، ولو افترضناه كذلك لا يعدو دورُ كارزميته تحقيقَ الطفرة بجماعته أو بحزبه أي الانتقال به من طور إلى آخر أكثر فعالية لو تصادف مع الظرف التاريخي الذي يسمح له بذلك ثم ينتهي دوره، ولنا – نحن المسلمين – خير دليل على ذلك هم الأنبياء عليهم السلام – وهم أكثر الناس تأثيرا، ولم يُطالِبوا بمقابلٍ عما أنجزوه – حيث يخبرنا التنزيل الحكيم عن أن دورهم ينتهي بانتهاء المهمة التي بُعثوا من أجلها، بل إن كثيرا من الأنبياء ماتوا أو قُتلوا بالأحرى قبل تتميم دعواتهم: وكأين من نبيء قتل معه ربيون كثير (آل عمران 146) وفي قراءة أخرى “قاتل”، لكن العبرة من الشخصية الكارزمية هي تعهّد جيل جديد متفائل يتمم البناء، ولهذا تكمل الآية هذا المعنى: فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (آل عمران، نفس الآية)، بل إن المجتمع الطبيعي يُلغي دور الأب كحاكم مطلق عندما يستقل الأبناء بأنفسهم، فلا يُرغمهم أحد على الاجتماع إلا بملء إرادتهم 2 . ولو سلمنا جدلا أن وجود شخص الأمين العام رهن بعطاءاته، فلنا أن نعدها مقابل ما استخلصه من فوائد أثناء وجوده على رأس الحزب لمدة عقدين أو ثلاثة عقود أو أكثر، فقد حدد التنزيل الحكيم دور يوسف في إخراج مصر من المجاعة، وموسى في إنقاذ بني إسرائيل من الاستعباد، وداود في رد ظلم طالوت، وعيسى في رفع الأسر والأغلال عن بني إسرائيل، ومحمد بن عبد الله في تشييد عهد جديد من الرحمة الإلهية تستظل بها الإنسانية (لكنْ وأدها العقل الأعرابي) عليهم السلام جميعا، ولم ينعموا جميعا بمقابل أرضي.

أما الآن، وهذا أمر جلل، هل يمكن قلب المعادلة حيث يمكن للجزء أن يؤثر في الكل؟ يسميه المناطقة باستدلال الغلط، فنفترض فوز حزب بالسبق، لكن كيف؟ تتاح للأحزاب كل مرة فرصة بناء علاقة نموذجية مع المواطنين بعدما يتقاسمون الجماعات فيما بينهم، بإعطاء صورة عملية تعيد بناء الثقة بينهم، فالحزب – وإن كان يسعى وراء السلطة – لا يعدو أحد مكونات المجتمع المدني، بإبداء رغبة في تجديد البنية العميقة للجماعات لكن ليس بنفس العقلية ونفس الموارد البشرية، كما أنه لا يمكننا استيراد أحزاب من اليابان أو السويد تنوب عن أحزابنا. لا يهم عدد الجماعات التي يمكن أن يضع الحزب يده عليها، إنما يظهر التحدي في القدرة على “تحديثها” ولو 10 جماعات فقط – من بين أكثر من 1500 جماعة حضرية وقروية – تدوي في الأفق السياسي، ثم تنتقل العافية إلى باقي الأحزاب؟؟؟

لا شك أن الأفق السياسي متموج وضبابي بحيث لا يمكن التنبؤ بالمستقبل، لكن كلما تأخرنا في الإصلاح كلما ازدادت هموم أبنائنا وتعاظمت على المواجهة.


[1] المقدمة، دار القلم ط 7، 1989 لبنان، ص. 218.\
[2] ج ج روسو، العقد الاجتماعي، م دراسات الوحدة العربية، ترجمة عزيز لبيب، ط1، 2011، ص. 79.\