وأخيرا أغلقت الملهاة المخزنية، المسماة انتخابات جماعية وجهوية، على إيقاع فصل آخر من مسلسل العبث السياسي الذي يشرف عليه ويديره نظام مستبد ليس في مصلحته الانتقال إلى انتخابات ديمقراطية ذات رهانات سياسية حقيقية.

التفاصيل العبثية لمشهد انتخابات 4 شتنبر، من استعمال واسع للمال وشراء للذمم والأصوات والبلطجة والمواجهات الدامية، ومن نسبة رسمية للمشاركة مطبوخة ومنفوخ فيها للتعمية على المقاطعة الشعبية الواسعة، ومن طعن واسع في الأجواء التي جرى فيها الاقتراع ومرت فيها الحملة، ومن رسم للخارطة السياسية على مقاس البلقنة المفضية إلى التحالفات الهجينة والهشة والخاضعة للسيطرة….، هذه التفاصيل كان طبيعيا الانتهاء عندها لأن الأساس الذي تنبني عليه هذه الانتخابات فاسد.

لقد أعلنت جماعة العدل والإحسان منذ اللحظة الأولى لانطلاق هذا المسلسل العبثي الجديد/القديم أن الانتخابات المحلية في كل الدنيا لكي تعطي معنى حقيقيا للامركزية، ولكي تفرز نخبا محلية كفأة تشرف على تنمية محلية فعالة، ينبغي أن يحكمها إطار دستوري وسياسي ديمقراطي وقانوني تنظيمي يعطي للمؤسسات المنتخبة الصلاحيات والإمكانات لتنفيذ تعاقداتها مع الناخبين، وهي المقومات المفتقدة في الحالة المغربية.

في الحالة المغربية جرت الانتخابات المحلية في ظل دستور 2011 الذي واصل الحفاظ على المعنى الواسع للسلطوية وأبقى على الحكم الفردي بمؤسساته المتحكمة في رسم السياسات وتنفيذها، وهي الأمور التي تنفي عن عملية الانتخاب جدواها ولا يبقي لها من دور سوى إضفاء مزيد من الشرعنة على الاستبداد وممارسة التمويه على الشعب والمنتظم الدولي.

في الحالة المغربية جرت الانتخابات في ظل قوانين تنظيمية تؤطر الجماعات الترابية وصلاحيات مجالسها المنتخبة ومواردها وإمكاناتها والتي تجعل وزارة الداخلية (يد القصر الطولى) ومن خلال ممثليها (العامل والوالي) تتحكم في مفاصل المشهد المحلي وتعلو سلطتها وسلطانها على كل مؤسسة منتخبة.

في الحالة المغربية جرت الانتخابات عقب حملة كانت شاهدة على كل الأعطاب؛ حالة برود وفتور شبه عامة يقابلها لا مبالاة أغلب المواطنين ونفورهم من أنشطة المرشحين واتخاذ الانتخابات موسما للتكسب، واستعمال واسع للمال في تجييش المنخرطين في الجولات والمشاركين في التجمعات وفي شراء الأصوات وحتى المرشحين لاستكمال اللائحة وجلب الأصوات، وحياد سلبي واضح للإدارة بل وتحيز السلطة المحلية وأعوانها لمرشحين معينين وهو ما تناقلته وسائل الإعلام في أكثر من دائرة، ومواجهات دموية بين المتنافسين وأتباعهم دفعت بالعديد إلى زيارة المستشفيات عوض التباري على إقناع الناخبين…

في الحالة المغربية جرت الانتخابات وعشية يوم الاقتراع انبرى الكثير من قادة الأحزاب المشاركة في الحديث عن خروقات بالجملة شابت العملية، وطعن بعضهم في نزاهة الانتخابات مؤكدين وقوع اختلالات كبرى، ووصل الأمر حد تهديد أحزاب بالطعن في العملية الانتخابية برمتها. ومع ذلك، وكما في التجارب السابقة، فرغم تظلم الجميع وتشكي الجميع تقريبا ستُقبل النتائج ويستقر المشهد على مآلاتها لأن السقف المخزني لا يسمح بأكثر من ذلك.

في الحالة المغربية جرت الانتخابات تحت إشراف فعلي لوزارة الداخلية التي أعلنت أن نسبة المشاركة بلغت 53,67 في المائة، في تزوير مكشوف وتلاعب مفضوح بالأرقام وتضخيم للنسبة للإيهام بأن رهان المشاركة الشعبية الذي يؤرق النظام قد تحقق. وقد نشرنا توضيحا مفصلا يكشف بدقة تلاعب المخزن بالأرقام.

ولأن الانتخابات جرت في حالة مغربية تلك أهم سماتها السياسية والدستورية والقانونية فإن جماعة العدل والإحسان كانت واضحة ومسؤولة حين قالت في بيان مقاطعتها لهذه المهزلة إننا ومن منطلق مسؤوليتنا أمام الله عز وجل وأمام الشعب المغربي، وانسجاما مع مبادئنا ومطالبنا، وخدمة لمصلحة المغرب والمغاربة، ورفعا لكل مظلة عن الفساد والاستبداد، نقاطع انتخابات الجماعات الترابية المزمع تنظيمها يوم 4 شتنبر وندعو إلى مقاطعتها).

لسنا ضد الانتخابات بما هي آلية للتمثيل السياسي والتداول على السلطة ومحاسبة المسؤولين وإفراز النخب القادرة على خدمة للمجتمع ،ولكن الانتخابات في المغرب، محلية كانت أو تشريعية، لا تقوم بهذا الدور بل لا تعدو أن تكون آلية لتجديد شرعية الاستبداد والإبقاء على الفساد.