بعدما تكلمنا في الجزء الثاني من هذا البحث عن مبدأين كبيرين تضمنهما منهج القرآن الكريم في تربية روح المؤمن والمؤمنة وهما:

1/ الربط المباشر للمؤمن بالله تعالى

2/ الجمع بين الحب لله والخوف منه والرجاء له

نتحدث في هذا الجزء عن المبدإ الثالث في هذا المنهج وهو:

تشريع العبادات لتوثيق الصلة بالله

فالعبادات في الإسلام من أعظم وسائل التربية الروحية، وذلك أن العبادة صلة بين العبد وربه، تجعل هذا الكائن الضعيف والمخلوق المحتاج على صلة بخالقه وموجده ورازقه والذي بيده مقاليد الأمور، وإليه ترجع الأشياء، وهذا يولّد في المرء شعوراً بالراحة والاطمئنان والأمن والأمان. فإذا ارتاحت نفسه وهدأت روحه، انطلق بجسمه وعقله يبني هذا الكون ويساهم في إعمار الأرض محاطاً برعاية الله مع سمو نفسه وراحة باله عما يشغله.

فالعبادات غذاء روحي للمرء في دقائقه وساعاته وأيامه وسنواته.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله متحدثا عن معالم يوم المؤمن وليلته من أعمال شعب الإيمان ما يلزم المؤمن مرة في العمر كالحج. ومنها ما يلزم مرة في السنة كصوم رمضان، ومنها ما هو موقوت مضبوط كالصلاة والزكاة، ومنها ما يسنح في أوانه وبمناسبته كعيادة المريض وتشييع الجنازة، ومنها ما هو فرصة دائمة كإماطة الأذى عن الطريق، ومنها ما هو صفة نفسية مصاحبة كالحياء، ومنها ما ينبغي أن يصبح عادة راسخة كقول لا إله إلا الله) 1 .

قال ابن عقيل رحمه الله: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حالة راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره) 2 .

وإمام العباد وسيدهم صلى الله عليه وسلم يقول: “حبب إلي النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة” 3 .

ويقول صلى الله عليه وسلم: “قم يا بلال فأرحنا بالصلاة” 4 .

فالصلاة عبادة تحقق دوام ذكر الله ودوام الاتصال به، تمثل تمام الطاعة والاستسلام لله، والتجرد له وحده لا شريك له، تربي النفس وتهذب الروح وتنير القلب، بما تغرس فيه من جلال الله وعظمته، وتحلي المرء وتجمله بمكارم الأخلاق.

يقول محمد رشيد رضا في تفسيره المنار: وأما الاستعانة بالصلاة فهي أقرب إلى حصول المأمول وإرجاع النفس إلى الله تعالى لما لها من التأثير في الروح، ولكنها أشق على النفس الأمارة بالسوء ولذلك قال تعالى:)وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين البقرة / 45 أي ثقيلة شديدة الوقع … إلا على المخبتين المطمئنة قلوبهم وجوارحهم لله تعالى فهؤلاء هم الذين يستفيدون بالصلاة) 5 .

ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: الصلاة لوقتها وفي المسجد مع الجماعة هي الضابط للمسلم، إذ تنقله من الوقت السائب، المقيد بعلاقات العمل والراحة والطعام واللهو، إلى الوقت الإيماني، المقيد بداعي الله خمس مرات في اليوم ومرة في الجمعة. تنقله من المكان السائب المنطلق في ساحة الغفلات، إلى بيت الله يلبي النداء رمزا للطاعة والانقياد. تنقله من الوحدة السائبة، وضياع الرفقة الغافلة، إلى صف المصلين المتراصين بين يد الله) 6 .

والزكاة طهرة للمسلم القادر يدفعها من مال الله الذي رزقه إياه واستخلفه فيه فالزكاة لها دور كبير في تربية الروح لدى المسلم إذا أنها تستأصل الشح من نفس الغني وتجعله كريماً سخياً قال تعالى: إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعاً، إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون، والذين في أموالهم حق معلوم، للسائل والمحروم المعارج / 19 – 25.

طالع أيضا  منهج القرآن الكريم في تربية الروح (1)

والزكاة تستأصل الحسد والطمع من نفس الفقير وتجعله عفيفاً راضياً لأن بعض الفقراء قد يسخط إذا رأى نفسه محروماً وغيره قد وسع عليه وربما تمنى زوال نعمة الغني ليصير مثله أما حين يرى الغني يعطيه جزء من ماله فإنه يقنع بما رزقه الله ويصبح عفيف النفس وبهذا تسمو روحه وترتفع أخلاقه والزكاة كفارة للذنوب تطهر النفوس من ادرانها وتسمو بها في مدارج الكمال الإنساني قال تعالى:)خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها التوبة / 103) 7 .

والصوم مدرسة يتربى الإنسان فيها على مجاهدة الهوى والامتناع عن الشهوات والتزام الطاعات، وحرمان النفس من الطعام والشراب وبذل المعروف وكثرة التصدق والجود، لتعويدها على إنكار الذات،وحب الآخرين مما يزيد في ترابط أبناء المجتمع ويقوي أواصرهم، وفي هذه المدرسة يتعلم المسلم الصبر على الحرمان فلا يستذله، وعلى الإقلال فلا يبذل ماء وجهه بسببه، وعلى تغير المألوفات من العادات فلا يكون أسيراً لها وعلى التخلص من الأخلاق الجاهلية والطباع الذميمة) 8 .

وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” 9 .

والصوم هو العبادة التي لا يدخلها الرياء، لأنه لا يعلم حقيقة المرء هل هو صائم أم لا إلا علام الغيوب.

والحج رحلة إيمانية رائعة تربي روح المسلم وترفعها إلى درجات الكمال والجلال.

قال الحق جل وعلا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين آل عمران / 97.

فعندما يتعرض الحاج إلى المشاق أثناء أدائه هذه الفريضة فإنه يتعلم الصبر والتحمل.. عندما يلتزم الحاج بأركان وواجبات ومندوبات الإحرام ويمتنع عن محظوراته فإنه يتعلم الزهد والعفة وكل ذلك منه امتثالاً لأمر خالقه ومولاه حيث وجهه إلى ذلك بقوله الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب البقرة / 197.

طالع أيضا  منهج القرآن الكريم في تربية الروح (2)

وذكر الله من أعظم العبادات القولية التي تربي الروح وتسمو بها إلى الرفعة والمنازل العالية، والذكر يجلب لقلب الذاكر الفرح والسرور والراحة، ويورث القلب السكون والطمأنينة كما قال الله تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الرعد / 28. واطمئنانها أن يزول ما فيها من قلق أو اضطراب، ويكون فيها بدل ذلك الأنس والفرح والراحة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء) 10 .

وقد أخبر سبحانه عن المؤمنين بأن من صفاتهم وجل قلوبهم عند ذكر الله تعالى فقال سبحانه إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الأنفال / 2.

وقال ابن القيم رحمه الله: في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى) 11 .

ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: ذكر الله، وهو الأمر الأكبر والأعظم الذي من أجله شرعت العبادات، من فاته فاته لب العبادة. من صفات المؤمنين الاطمنئان للذكر والاطمئنان بالذكر، فمن لا طمأنينة له بذكر الله لا يستكمل صفات الإيمان) 12 .

إن كل هذه المبادئ التي ذكرنا، والتي ينهجها القرآن الكريم في التربية ترفع روح المؤمن وتسمو بها، وهي حلقات متواصلة متماسكة تشمل جميع أحوال المرء العملية والقولية والقلبية، بها تعلو همته وينشرح صدره ويستنير قلبه ويزداد قربه من خالقه ومولاه.

وهذا المنهج يشمل كل حياة المرء ويغطي كافة عمره يعيشه ليلاً ونهاراً، سفراً وحضراً، نائماً ومستيقظاً، قائماً أو قاعداً، في السراء وفي الرخاء وفي الشدة وفي كل حال من أحواله ووقت من أوقاته ولحظة من لحظاته وخاطرة من خاطراته فتصلح حاله. وتتربى روحه وتزكو نفسه فيكون عبداً لله حقاً امتثل أوامره وعمل بها في كل نواحي حياته؛ وهذا المؤمن الحق الصادق الذي تربى على مائدة القرآن وعمل بما جاء في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فصار آمناً مطمئناً يعيش في أمن وأمان وسعة بال، وصدق الحق جل وعلا إذ يقول وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون التوبة / 55.

طالع أيضا  حرية الجسد وسمو الروح


[1] المنهاج النبوي، لعبد السلام ياسين الطبعة الثانية، ص 49.\
[2] ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب، ج: 1، ص: 324.\
[3] أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب النكاح برقم: 2676 وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\
[4] أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب – باب في صلاة العَتْمَةِ – برقم: 4986 وصححه الألباني.\
[5] تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا، ج: 1، ص: 250.\
[6] المنهاج النبوي لعبد السلام ياسين، الطبعة الثانية، ص.\
[7] فلسفة التربية في القرآن الكريم، لعمر أحمد عمر، ص: 292 – 293.\
[8] التربية الروحية والاجتماعية في الإسلام، لأكرم ضياء العمري، ص: 33.\
[9] أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصوم باب “من لم يدع قول الزور” برقم: 1903.\
[10] الوابل الصيب لابن القيم ص: 42.\
[11] الوابل الصيب لابن القيم ص: 71.\
[12] الإحسان، لعبد السلام ياسين، ص 258.\