تعرف سوريا أزمة إنسانية حادة، بسبب اشتداد وطأة الحرب التي يقودها راعيها المستبد، بشار الأسد، حرب همجية مستعرة لا تبقي على أخضر ولا يابس، لم ينج منها لا الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء، براميل متفجرة ونار ودمار ودم مستباح، فما كان ممن بقي من السوريين على قيد الحياة إلا الهروب من جحيم الداخل واللجوء إلى مكان آمن في الخارج في رحلات غير مأمونة العواقب أو مضمونة النتائج، مخاطرين بحياتهم وأموالهم، علّهم يجدون في بلدان أخرى ما افتقدوه في بلادهم.

داخل بلادهم واجه السوريون الموت بسبب استبداد الحاكم القابض بالحديد والنار على الحكم وتدخل أجنبي لا يرعى إلا مصالح أصحابه على حساب شعب كامل. وعندما قرر من استطاع منهم الهروب واجهوا الموت في البر والبحر، لتبرز للوجود صور (طبعا ليس على القنوات الرسمية) تتقطع لها الأفئدة؛ اختناق في شاحنة مخصصة لنقل الأطعمة المجمدة والمبردة وغرق في عرض البحر لقوارب صغيرة تمتلئ أجسادا منهكة بما يفوق قدرتها بكثير.. وما خفي كان أعظم. ثم يحاصر من بقي على قيد الحياة في أماكن (دول اللجوء) وفي أحسن الأحوال في مخيمات مفتقدين لأبسط مقومات العيش الكريم؛ لا مأوى، لا فراش، لا أكل، لا دواء.. والقائمة تطول.

الكارثة وصفها أنطونيو غوتيريس، المفوض السامي لشؤون اللاجئين بـأكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية).

وقالت عنها، ديالا شحادة، مديرة مركز الدفاع عن الحقوق والحريات المدنية في لبنان والمحامية السابقة بمحكمة الجنايات الدولية، إن التسبب بالنزوح يعد جريمة في كل المواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان).

وحول المسؤولية القانونية التي يتحملها النظام السوري خصوصا في مأساة النازحين داخل سوريا، قالت إن اتفاقية روما تجرّم الطرف الذي يستهدف تصعيب الحياة جسديا ونفسيا ويمنع وصول المواد الغذائية والطبية ويدفع المواطنين لمغادرة أرضهم، مؤكدة أن النصوص التي تحمي النازح واللاجئ واضحة في كل المواثيق المعنية بالأمر.

وضوح لا تغطيه مبررات، وضوح يحاكم ضمير العالم بأكمله؛ استبداد لحاكم جعل مصلحته فوق مصلحة شعبه فقتل ودمر وخان مسؤوليته أمام الله وأمام العالم أكمل، وخذلان عربي مخز لا يملك أصحاب القرار فيه حيلة لأنفسهم فكيف بها لغيرهم، وخذلان غربي لا يرعى أصحابه إلا مصالحهم ولو كانت على حساب الإنسانية جمعاء.. وضوح يصعد صوت صراخه عاليا فوق همسات الحرية والدمقراطية وحقوق الإنسان.. ليعري واقع الإفلاس الحقوقي الذي يعيشه العالم مهما حاول تغطيته.