يحول موسم الانتخابات، كعادته، على سنفونية “متناسقة” تلحنها الدولة، وتعزفها الأحزاب السياسية، ويرقص الشعب على أنغامها. وعلى لوحة “رائعة” صممها النظام السياسي، ورسمتها النخب السياسية، وانبهر المواطن أمامها، مما يجعله أسير سحر توظيبها، وسجين حسن توظيفها. تجد صوته يكون عملة صعبة، ومعادلة معقدة؛ لذلك ترعاه الأحزاب لجلال صوته، وتحتضنه النخب لجلب مشاركته: “تتغزل” بالنساء العازفات عن المشاركة السياسية، وتجلب الشباب التائه عن المشاركة السياسية.. ومنهم من فهم قواعد اللعبة، وألف وجوه المشهد السياسي، وحفظ الشخصيات السياسية الوارثة للحقائب الوزارية وللمناصب السامية.

تجد الناخب، والناخبة، لا يدريان أصوتا على الحقيقة أم على الخيال، على الأصل أم على النسخة، على المرشح الذي كان يعاهدهم في الحملة الانتخابية، أم على هذا المنتخب الذي يخالف الوعد بعد أن تقلد المناصب وتربع على الكراسي. فيصبح الناخبون سجناء إرادة منتخب دائرتهم الانتخابية -حاشا الفضلاء- يستغني عنهم إلى الموسم الانتخابي المقبل، ليتقمص القناع الانتخابي المزيف، ويستعمل الخطاب الانتخابي الكاذب، في نفاق سياسي واضح يستهدف ناخبين سذج، وموطنين مغفلين -حاشا الفضلاء-. لقد قدرت ميزانية تمويل حملات انتخابات 2015م بمبلغ ثلاثمائة 300 مليون درهم، أخذت منها الدولة قسطها في التدبير، وتركت الباقي تبذيرا بين الأحزاب، في بورصة الانتخابات تشترى الأصوات كما تشترى الإماء والعبيد في أسواق النخاسة، في رق معاصر، أو العبودية السياسية) 1 ، أو العبودية الطوعية) 2 ، يكون فيها الناخبون رهائن سياسيين لدى المنتخبين.

تكاد نزاهة الانتخابات، تكون وهما، أمام الإجماع السياسي على كثرة الاختلالات، والاتفاق العام على ضرورة التصدي لها من طرف الدولة والناخبين والمنتخبين، وذلك بالرغم من دسترة آليات المراقبة وتقنين مؤسسات المتابعة، ويبقى الغائب الدائم في كل المواسم الانتخابية هو ضمان النزاهة الذاتية، وتكريس الشفافية الموضوعية. أية نزاهة ننتظر أمام اختلال التوازن بين: كفة إرادة الناخب الطفيفة والمكبلة، وكفة جشع المنتخب الراجحة، وغياب المراقبة الإدارية الموضوعية. اختلال في الإرادة وفي الإدارة!؟.

طالع أيضا  عمّ ينتخبون ...!؟ (2)

ضمانات النزاهة الذاتية، والشفافية الموضوعية، ليست خطابا سياسيا فصيحا، وإنما هو فعل سياسي صحيح، يشمل مسؤولية أطراف العملية الانتخابية (الدولة، الناخبون، المنتخبون)، والمساواة في مراحلها (تقطيع الدوائر، الإشراف على الانتخابات، الإعلان عن النتائج). وأن الاستحقاقات لا تأتي بالمشاركة العابرة في الانتخابات لوحدها، وإنما تأتي بالمشاركة السياسية الدائمة، التي تُعد البناء الدائم للناخبين والمنتخبين. فلا يقبل المنطلق الديمقراطي أن تظهر نخب وأحزاب سياسية في المواسم الانتخابية وتختفي عن المشهد السياسي على مدار السنة، وتتوارى عن الهموم اليومية للناخبين. وبذلك يفسح المجال أمام المفسدين، الذين يكبلون إرادة المنتخبين ورقاب المواطنين، يجعلونهم رهائن الانتخابات المقبلة.

فك هذه الرقاب سياسيا، يكون على قدر المسؤولية في الانتخابات، وعلى قدر المساواة في المشاركة في الاستحقاقات (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية…) بين الدولة الراعية للحقوق، والناخبين والمنتخبين المؤدون للواجبات قبل المطالبة بالحقوق، والقضاء العادل في حسم الخلافات والخصومات، وذلك من خلال:

يتبع…


[1] منتسكيو، ترجمة عادل زعتير وانطوان نحلة قازان، “روح الشرائع”، اللجنة الوطنية اللبنانية للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ط1، ج1، 2005م، بيروت.\
[2] إيتيان دولابويسي، ترجمة عبود كاسوحة “مقالة العبودية الطوعية”، ط1، 2008م، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.\