جاء في خطاب الملك ليوم 20 غشت الجاري الفقرة التالية: وعليكم أن تعرفوا أن انتخاب رئيس الجهة وأعضاء مجلسها بالاقتراع المباشر، يعطيكم سلطة القرار في اختيار من يمثلكم. فعليكم أن تحكموا ضمائركم وأن تحسنوا الاختيار. لأنه لن يكون من حقكم غدا، أن تشتكوا من سوء التدبير، أو من ضعف الخدمات التي تقدم لكم).

هذا الكلام غير مرتجل، بل يمثل فقرة من خطاب مكتوب بمناسبة عيد وطني، فكل كلمة تم اختيارها بعناية لكي تُعبر عن موقف راسخ لرئيس الدولة وممثلها الأسمى الذي يسهر دستوريا على حقوق وحريات المواطنين والمواطنات.

واضح من خلال الجملة أنها نداءٌ موجه إلى الذين قرروا التصويت من أجل اختيار من “يمثلهم” في المجالس المحلية ومنها مجلس الجهة، لذلك جاءت صيغة الخطاب كالتالي: فعليكم أن تُحكّموا ضمائركم وأن تُحسنوا الاختيار).

الذين قرروا التصويت “قد” يُسيئون الاختيار، بسبب المال أو غيره، فتؤول بسبب خطئهم مسؤولية الجهة إلى من يُسيء التدبير ويتسبب في ضعف الخدمات المقدمة للعموم؛ وفي هذه الحالة، يقول تصريح الملك، ليس لكم الحق في الشكوى…!

يُفهم من التصريح أن الشكوى ممنوعة على “المواطن” الذي شارك في الانتخاب حتى تكتمل ولاية المنتخَب المُفسد؛ وعندها فقط يحق للمواطن أن “يشتكي” بالتصويت العقابي، وهكذا يفعل المشتكي مرة كل خمس سنوات إذا احتُرمت آجال المحليات والبرلمانيات..

هل هذا هو التنزيل الديمقراطي للدستور؟

هذا المعنى المنبعث من التصريح يضرب في المبادئ التي وضعها الدستور في فصله 136 الذي جعل من مرتكزات التنظيم الجهوي مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في التنمية…).

هذا المعنى الواضح في التصريح يضرب كذلك الآليات الدستورية التي وضعها دستور 2011 في الفصل 139 لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين .. في إعداد برامج التنمية وتتبعها) ويتناقض مع حق المواطنين في تقديم «العرائض» إلى السلطات العمومية المشار إليها في الفصل 15 من الدستور؛ وبذلك سيكون مقتضى التصريح قد أنهى مع مقترحات الحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة) التي من بينها الحق في تقديم العرائض) والتي هي شكاوي يتقدم بها المواطن/ون بهدف الحصول على حل فردي أو جماعي.

سيقول معترض، هذه الحقوق سوف لن يسمح بها المُنتخَب الفاسد! إذن هذا المسؤول الترابي هو أسمى من الدستور ومن المؤسسات الدستورية المكلفة بالافتحاص والرقابة بل وحتى أكبر من القضاء الإداري والدستوري…

أنت صوت بلا صوت!

أنت أيها المواطن الصالح قد تجتهد وتُحكّم ضميرك وتتحرى حُسن الاختيار للرجل المناسب للجهة أو الجماعة المناسبة، لكن الذي انتخبته أنت قد يُغير مبادئه وقد ينسلخ من لباس وضعها زورا وقد يُغلَب على أمره… فلن يبقى لك من حق في الاستنكار عليه إلا في الامتحان الانتخابي المقبل الذي ستفشل فيه قطعا، لأن وضعية الكُمون التظلمي بين الولايات الانتخابية تحيل القديس إبليسا.

هم يريدون أن تشتكي فقط بصوتك الورقي مرة كل بضع سنوات، وتغيير الفساد المستشري يشترط حركية يومية لصوتك الحنجري، لأن التجارب منذ الاستقلال أثبتت أن شيئا لن يتغير بالصندوق لأن المادة التي صنع منها مختلة.

أخبرني صديق أثق فيه، أنه مع مجموعة من الشباب المعطل قرروا أن يخرجوا من “العدمية” وأن يترشحوا للانتخابات المحلية لتسيير جماعة قروية ينقصها كل شيء، ولما تمكنوا من مسؤولية الجماعة وجدوا اختلالات كبيرة لرئيس الجماعة السابق، منها نشاط المقالع الذي يدر على الجماعة مداخيل مهمة من طرف شركة مستثمرة فرض عليها الرئيس أن تعطيه نصف المبلغ رشوة سنوية وأن توقع فقط على النصف الثاني. صديقي مع رئيس الجماعة الشاب أوقفوا هذا الفساد وتجمّع لهم مبلغ لا بأس به تداولوا في مجلس الجماعة أن ينفقوه في تزويد دواوير الجماعة بالماء الصالح للشرب، لكن المفاجأة والإحباط أصابهم عندما أخذ العامل مداخيل جماعتهم لكي يرصدها لبناء مشروع رياضي دشنه الملك في المدينة التابعة لها جماعتهم القروية.

في هذا المثال الذي يتكرر في كثير من جماعات المغرب، ليس المشكل في الرجال الذين تنتخبهم بل المشكل في النظام الذي يوزع السلطات ويمنحها حصريا للذين يمثلون الحاكم وليس للذين يمثلون الشعب.

لكل ذلك ستنضاف في كل “استحقاق” إلى أغلبية المقاطعين أفواج جديدة من الذين ملّوا التصويت الورقي وتأكدوا من عدم نجاعته في محاربة الفساد والمفسدين، وعندما يقاطعون التصويت الورقي سيحتفظون بصوتهم الجماعي لكي يطالبون بتعديل قواعد اللعبة التي تعطي لأصواتهم الورقية معنى وفعالية في تدبير المصلحة العامة وهذا حقهم الآدمي الذي فُطروا عليه ولا تبديل لخلق الله.