اشتد أُوار معركة الانتخابات في المغرب هذه الأيام وأصبح المواطن يقصف من كل حدب وصوب، والغاية المرسومة من قبل النظام المغربي وأدواته لا تخطئها العين إذ الجميع يراهن مستميتا على جر المغربي، المقهور والمغلوب على أمره، إلى صناديق الاقتراع رغبا ورهبا ولكل حساباته ورهاناته. فالنظام، الذي لجأ إلى أرصدته الدعائية الاستراتيجية وفي مقدمتها الخطاب الملكي، يريد أن يجعلها فرصة لتجديد شرعيته، التي لم يعد متيقنا من تجذّرها ويخشى تهالكها، كما أنه يسعى لإرسال رسائل للداخل والخارج تُفيد بأنه لايزال متحكما في الأمور كما كان عليه الأمر من قبل. أما الأحزاب السياسية فلا هَمّ لها إلا التهافت على المناصب التي تعتبر هذه الانتخابات سلما للوصول إليها، وكل الطرق في تقديرها مشروعة لتحقيق الهدف ونيل المراد. في حين اختارت فئة أخرى من الطيف السياسي المغربي مقاطعة هذه الانتخابات والدعوة للتعبئة لتحقيق ذلك. وقد ووجه هذا الموقف بحملة من الإنكار من القنوات الرسمية والحزبية، بل منها من ذهب حد الفجور في الخصومة من خلال شن حملة ضد أصحاب خيار المقاطعة واصفا إياهم بأبشع النعوت. ولا يحتاج المُراقِب إلى شديد عناء ليلاحظ حجم الإحباط والنفور لدى المواطن المغربي، بكل فئاته، من الانتخابات وما ينتج عنها من مؤسسات، إذ تعتبرها الغالبية من الناس فاقدة لشرعية الوجود ومشروعية الممارسة. مما يعني أن الخطاب الداعي للمقاطعة يجد له صدى قويا لدى عموم المواطنين. ولعل هذا ما يفسر تَجنُّد النظام الحاكم والأحزاب التي تدور في فلكه لإغراء الناس بالمشاركة في الانتخابات القادمة.

فماذا تعني مقاطعة الانتخابات؟ وما هي أنواع هذه المقاطعة؟

مقاطعة الانتخابات سلوك سياسي يتحدد في الامتناع الإرادي من قِبَل الأفراد أو الجماعات عن المشاركة في عملية الانتخاب ورفض التفاعل معها إن بشكل كلي – يعني جميع أطوار هذه العملية من مرحلة التسجيل في اللوائح الانتخابية إلى التصويت – أو بشكل جزئي من خلال رفض الإدلاء بالصوت. وتنقسم المقاطعة إلى نوعين رئيسيين، المقاطعة المبدئية والمقاطعة السياسية.

ويقصد بالمقاطعة المبدئية ذلك الرفض الكلي للعملية الانتخابية، في كل أطوارها، من حيث المبدإ وليس لأسباب سياسية أو عَرَضية. إذ يعتقد أصحاب هذا الموقف أن هذه العملية تتناقض كليا مع المبادئ الإيدلوجية والقناعات التي يتبنونها وتتأسس عليها مواقفهم واختياراتهم. وهذا النوع من المقاطعة قليل الحدوث وهامشي التأثير، إذ أن من يتبناها، من الأفراد أو الجماعات، قلة من الناس داخل المجتمع.

أما الصنف الثاني من المقاطعة، والأكثر شيوعا، فهو ما اصطلح على تسميته بالمقاطعة السياسية التي لا تكون مبدئية بل مرتبطة بظروف وأوضاع سياسية ألجأت أطرافا من المجتمع إلى هذا الاختيار. ويتأسس هذا الموقف على مبررات سياسية متعددة ومتنوعة. وأبرزها، في الحالة المغربية، يتحدد في صورية الانتخابات وانتفاء الجدوى منها لأنها لا تُعبِّر عن الاختيار الحر للمواطن المغربي ولا تُفرز من يستطيع أن يخدم مصالحه ويحقق آماله. ذلك أنها تجري أولا تحت إطار دستوري وقانوني يُركِّز السلطات الحقيقية والفعلية في يد المؤسسة الملكية ومؤسساتها المُعَيَّنة، والتي لا يمكن محاسبتها أو متابعتها من قبل المواطن، ولا تترك للمُنتَخَب إلا هامشا ضيقا للفعل، وحتى هذا الهامش يظل تحت رقابة السلطة المُعَيَّنة. يضاف إلى هذا تحكم وزارة الداخلية في كل مجريات العملية الانتخابية، مُدخلاتها ومُخرجاتها، وهي الخبيرة في صناعة المشهد السياسي والتحكم فيه وتوجيهه. هذا فضلا عن الفساد المهول الذي يرافق الانتخابات من توظيف للمال والأساليب الملتوية في تدبير الحملات الانتخابية.

لكن ما الغاية من مقاطعة الانتخابات؟ وما هي الرسائل التي تحملها وتفصح عنها؟ ولمن يتم توجيهها؟ هل تعبر عن ضعف سياسي وتهرُّب من المسؤولية أم أنها سلاح سياسي ناجع لمقاومة الاستبداد والفساد؟

يُعبِّر حرصُ النظام السياسي المغربي على دفع أكبر عدد من الناس للمشاركة في الانتخابات وإنفاقُه أموالا طائلة وتكريسُه لجهود ضخمة لتحقيق هذا الهدف عن إدراكه العميق لخطورة فعل المقاطعة، خاصة الواعية منها. ففي المشاركة المكثفة تثبيت لأركانه وترسيخ لشرعية وجوده ومشروعية مواقفه واختياراته. أما المقاطعة المكثفة فمؤشر خطير على مدى ضعف القابلية للنظام والرضى عن تدابيره وسياساته من لدن عامة المواطنين. لذا كانت المقاطعة، وما تزال، سلاحا فعّالا في يد الشعوب لمناهضة الأنظمة المتجبرة.. فالمخاطَب الأوّل بسلوك المقاطعة السياسية للانتخابات هو النظام الحاكم ومضمون الرسالة واضح وصريح. إذ فيها رفع لغطاء الشرعية عنه واحتجاج على فساده وفضح له وتعبير عن السخط حُيال تدبيره للشأن العام وتعاطيه مع مصالح الناس وقضاياهم الحياتية والمصيرية. وهذا من شأنه إظهار هشاشة النظام الفاسد المستبد وحشره في الزاوية وعزله مجتمعيا وإكراهه على فتح الباب للتغيير الحقيقي والتوقف عن التلاعب بمصير الناس ومستقبلهم. فالمقاطعة تمثل نوعا من التمرد البارد على الحاكم، تجعله يدرك، إن عاجلا أو آجلا، أنه صار في مواجهة مباشرة مع الشعب ومسؤولا بشكل كلي وصريح عن المعضلات التي تترتب عن سياساته واختياراته دون سند جماهيري أو دعم مجتمعي. خاصة بعد تهاوي مصداقية مؤسسات الوساطة التي ابتدعها للسيطرة على الشعب وترويضه وتخدير وعيه وتهميش فاعليته ودوره. فالأحزاب السياسية والنقابات سقطت قيمتها وضعف، بشكل كبير، تأثيرها في الرأي العام وصارت قرينة للفساد والاستبداد وعونا له ولم تعد قادرة على سَوْق الناس إلى التصويت كما كانت تفعل في السابق. لذلك كان الفاعل السياسي الحزبي هو المخاطَب الثاني بفعل المقاطعة تعبيرا عن رفض المواطنين لتمثيله لهم وتصنيفا له في خانة المنبوذ والمرفوض. أما ثالث المُخاطَبين فهي قوى الاستكبار العالمي التي انتدبت نفسها لحماية الاستبداد وتسويقه عالميا والتغطية على فساده حرصا على مصالحها الاستراتيجية في البلد وخوفا من امتلاك الشعب لزمام أمره وتحرر إرادته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومضمون الرسالة أنهم يدعمون نظاما هشًّا وغير مستقر وغير مدعوم شعبيا بالشكل الذي يجعله قادرا على التحكم في المجال السياسي دون مقاومة ذات مغزى أو تأثير. وقد يكون هذا تهديدا استراتيجيا لمصالح هذه القوى في حال اختارت المضي في دعم الاستبداد والفساد دون وعي بالتغيرات التي تطرأ على الأرض ودون حساب لعواقب هذا الاختيار.

ولا يمكن أن ننسى المعني الأخير بسلوك المقاطعة وهو القوى الوطنية الحية في البلد المقاومة لطوفان الفساد والاستبداد والصابرة والمتحملة للمشاق في سبيل عزة الوطن وكرامة أبنائه. إذ أن مقاطعة الانتخابات فيه دعم كبير لنضال هذه القوى وتأكيد على شرعيتها وإثبات لقوة سندها الشعبي ونصيرها الجماهيري ونجاعة خطاباتها وصواب اختياراتها ومواقفها والدليل على ذلك تنامي الوعي العام وتصاعده في أفق تحرير إرادة الناس من وصاية الحكام وقهرهم.

بناء على ما سبق لا يمكن تصنيف مقاطعة الانتخابات في خانة العدمية أو التهرب من المسؤولية بل هي تعبير راق عن وعي عميق بحال البلد وتهمم صادق بمصيره وإدراك حقيقي لخطورة الاستمرار في التلاعب بعقول المواطنين وعواطفهم ورهن مستقبلهم للمجهول. إن سلوك المقاطعة اختيار سياسي شجاع ورفض للتماهي مع المستبدين والفاسدين الذين أهلكوا الحرث والنسل وأوصلوا المغرب إلى حافة الانهيار في كل المجالات. إنها دعوة لكل حر في هذا البلد أن يساهم، بخطوة بسيطة لكنها مؤثرة، في وقف النزيف في مقدرات البلد المادية والرمزية وتغيير مساره لتغيير مصيره.