تخبرنا سجلات الداخلية أن ستة وعشرين مليون مغربي يملك بطاقة تعريف وطنية في قائمته المدنية. هذا الرقم، وإن كان لا يعني ظاهريا غير دلالته السطحية، يصير معطى مرجعيا خطيرا في حال وضع إلى جانبه وبالقياس إليه عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية الأخيرة البالغ 13 مليون مغربي؛ بنسبة مشاركة قاربت بالكاد 53 بالمائة! أي أن 7 ملايين مغربي فقط أدلوا بأصواتهم يومئذ، دون احتساب الأصوات الملغاة. وعليه، فإن حصيلة صادمة تشخص أمامنا بعد وقفة حسابية قصيرة؛ وهي أن:

– قرابة 12 مليون مغربي امتنع عن التسجيل في القوائم الانتخابية.

– 7 ملايين مغربي فقط شاركوا فعليا في الاقتراع من مجموع 13 مليون مسجل.

– 19 مليون مغربي لم يشاركوا عمليا في انتخاب ممثليهم، بين مقاطع وممتنع عن التصويت.

نجمل القول في أن ثلثي الكتلة الناخبة ذات الأهلية الانتخابية قاطعت انتخابات 2011، ونسبة أكبر منها قاطعت سابقاتها على التوالي 2007 و2009.

لا يستطيع أحد الادعاء بأن الملايين التسعة عشر (19) إنما هي خلايا تنظيمية تم تجنيدها وتعبئتها لصالح قوى الممانعة السياسية التقليدية للدولة. ولا هي أيضا حواضن شعبية لبعضها، قامت فاستجابت لحملة منظمة تحرض على المقاطعة بانضباط تنظيمي خارق. بل الأمر لا يعدو كونه موقفا تلقائيا بريئا من جانب هؤلاء إزاء تجربة يدركون بخبرة نصف قرن ونيف عبثها وضحالة أثرها في معيشهم وتجذر فسادها. يدركون ذلك بالخبر والمعاينة دونما حاجة لحذلقة سياسي مفوه.

عزوف المغاربة عن خوض التجربة هو في واقع الحال وفاء لسلوك موروث يمليه الحس السليم وتذكيه تركة ستين عاما من العطالة التنموية والسياسية المؤدى عنها. دعاة المقاطعة الفعليون، إذن، هم تشكيلة السياسيين أنفسهم ممن يعيش على التزكيات ويرتع (من الريع) من موقع المسؤولية الذي تقلده بجملة وعود كاذبة. دعاة المقاطعة هم رعاة هذه المواسم وسدنتها ممن يبذل الجهد والمال والحيلة في سبيل ألا تنشأ فينا أحزاب سليمة وقوية تسفر بتدافعها الشريف عن مؤسسات رقابية متيقظة ونزيهة. ومادام هؤلاء وأولئك هم أبطال المواسم الانتخابية فإن المقاطعة تظل فينا وبيننا تقليدا شعبيا راسخا وسلاحا أصيلا يحفظ به المستضعفون ذممهم.

تجربة الانتخابات عندنا لم تستطع تنمية أي رصيد اعتباري بين المغاربة يدعم نجاحها ويزكي جدواها كقناة لتداول السلطة وتدبير المجال العام. لازالت سلوكا نشازا يمر علينا بكثير من الاستهجان والتندر والاستقباح. وهي بهذا التمثل العام لم تتخذ بعد صورة التقليد الشعبي كما هو الحال في الديمقراطيات الراسخة. هناك حيث تغيب بنسبة محترمة صور الاستجداء الرسمي بالمشاركة وفصول حروب التزكيات وصناعة التحالفات الكيدية والضرب على وتر القبيلة وشراء الذمم وهلم تخلفا.

ليست المقاطعة إملاء أو حملة تحريض من جهة مغرضة. إنها تقليد شعبي راسخ إلى أن تثبت التجربة عكس ذلك.