تستعر هذه الأيام الحملات المحسسة بأهمية التصويت في الانتخابات والحث على اختيار من يناسب من المترشحين، وتتضافر الجهود، خاصة الإعلامية منها، في دعوة كل الشرائح والفئات إلى أداء الواجب الوطني الذي لا يفهم منه إلا التصويت ليس إلا، تفتح آجال التسجيل وتغلق لتفتح من جديد، ولا مجيب، تنويع للخطابات والإعلانات وبكل اللغات واللهجات، في إصرار قل نظيره من طرف السلطات في البلد إلا في هذه المناسبات. ولهذه الدعوات ما يبررها؛ إنه العزوف الكبير والمقاطعة الساحقة للانتخابات، ولولا بعض العوامل الجانبية غير السياسية والانتخابية لكانت المأساة أكبر مما يخفي القائمون على الأمر.

مشهد ملتبس…

الواقع الذي لا يرتفع والحقيقة الماثلة التي لا مراء فيها إذا هي العزوف الكبير للمغاربة عن المحطات الانتخابية بأنواعها، حقيقة يقرها كل الفاعلين والمتدخلين والمراقبين، تتعدد التبريرات لكن الخلاصة واحدة نتيجة تراكم حصيلة عقود فارغة من أي معنى إلا تسويق الأوهام والتلاعب بالعقول وتفويت آمال الملايين وأحلام لم يتسع لها وطنهم من الكرامة والعزة والعدل والحرية والنماء، لتكون كل محطة مما يسمى انتخابات نكسة جديدة وكابوسا آخر يبشر باستمرار الحال على ما هو عليه، بل إلى ما هو أسوأ حتى إشعار آخر. لم تستعمل الانتخابات كأداة للديمقراطية في الوصول إلى مركز القرار وتدبير الشأن العام والخاص في تنافسية حقيقية تنتج نخبا فاعلة، وإنما كانت الانتخابات ـ ولازالت ـ أداة تحكم فوقية في المشهد العام وتجديد لرسم حدود يراد لها أن تؤثث فعلا محكما متحكما في تفاصيله، وهكذا ألِف المغاربة ظهور كائنات انتخابية موسمية، بنفس الشعارات وبنفَس جديد، تعزف جديد سمفونية قديمة تبغي إطراب آذان بخطابات فقدت مصداقيتها لكن بنغمات مستحدثة تدغدغ مشاعر شاب معطل وكهل مفقر وطفل مجهل وعجوز محروم.

تجد هذه الكائنات ضالتها في واقع مثخن بالجراح والآلام للملايين حتى تبيع الوهم وتسوق السراب، ثم تختفي كما ظهرت، ليصدم المغاربة من جديد بواقع مر انقشعت عنه مواد تجميل هذه الكائنات وليترك بعدها المواطن المسكين يتلظى بنار واقع كئيب تحرقه حيثما ولى وجهه، يترنح ولا من يواسي، يموت ميتة يومية ولا من يبكيه، يواجه خضما أهوج مظلما وقد حرم بوصلة التوجيه، وليهيم حتى ينادى بعد حين بنداء أداء الواجب الوطني وكأن الوطن يُختزل في معنى التصويت في يوم واحد وساعة واحدة وحركة واحدة، والواقع يقول بصحة هذا، فمدارس الوطن وجامعاته وإداراته ومستشفياته للأسف لا تسع كرامة المغاربة وعليها يتكسر معنى جميل طالما حلم المغاربة أن يجدوا تمثلا له في جنبات هذا الوطن. وثرواته لا حق لهم فيها، خيراته لا نصيب لهم فيها، والأمَرُّ أن يجد المواطن نفسه في دولة تحتال عليه وتحاربه ويجد نفسه موطن العداء، فلا يقضي مصلحة صغيرة ولا كبيرة إلا في جو القمع والإرهاب والخوف والابتزاز، حقا مواطنون غرباء في وطنهم.

لقد غدت العملية الانتخابية فاقدة لأي معنى من المعاني التي تعارف عليها السياسيون والفاعلون في حقلها، ففي بلدنا تحرم “قيادة الجماهير” فهي موقوفة على ذوي الشأن، والمتنافسون لا يسعون ليكونوا في مركز الحكم والقرار يطبقون برامج ورؤى بمشارب سياسية وفكرية، بل ولا يسمح لهم بذلك، فالكل أدوات تنفيذية لبرنامج واحد لا دخل لهم في صياغته ولا مشورة لهم في بنوده ومواده. حتى غدا عدد الأصوات الملغاة في الانتخابات أكبر من عدد الأصوات المحصل عليها عند كثير من الأحزاب ومنها التي تدعي أنها في سدة الحكم. دون أن تجد أدنى تحفظ ممن ينتظر منهم أن يكونوا أول المدافعين عن الوطن والمواطن لا المناصب والكراسي.

انتخابات لا سياسة

أمام هذا الواقع المفلس يستنتج من المشهد أن حمى التحسيس وصرف ملايين الملايين لا يراد منها رفع مستوى الوعي السياسي والاهتمام بالشأن العام باعتباره مدخلا أساسيا في مشاركة الجميع في بناء وطن يسع الكل تسوده الديموقراطية السياسية والاقتصادية والاجتماعية،… لما للأمر من أثر إيجابي على المواطن والوطن وحتى تطلع الأحزاب السياسية بأدوارها في التسيير وتأطير وصناعة نخب قادرة على بناء صروح الحضارة والرقي والتقدم. وبما أن الأمر كذلك فمدار الحديث ليس إلا مشاركة انتخابية محدودة “لشرعنة” عملية هجينة متحكم في نتائجها بلوائحها الانتخابية ونموذج الاقتراع فيها والتقطيع الانتخابي والتحالفات المطلوبة والتوازنات المفروضة ليبقى الرهان الوحيد هو نسبة التصويت فقط لتسعفنا في تصدير النموذج الفريد لاستثنائنا العالمي.

يزكي هذا ضعف الأحزاب ـ جلها ـ التنظيمي على مستوى الهياكل والإطارات مما يجعلها سهلة الاحتواء أو عرضة للانشقاق والتفتت، ولضعف منخرطيها ومنتسبيها تكون مضطرة للحفاظ على مواردها المالية من خزينة الدولة تستفيد من الإتاوات ومن الملايين لجرائدها ومناضليها، وتفتح لها الأبواب للامتيازات وبالتالي تصير عاجزة عن مسايرة خطها السياسي ورؤيتها المجتمعية، فلا غضاضة أن نجد من الإسلاميين من يتهرب من إسلاميته، ومن الليبراليين يضيق بليبراليته، والاشتراكي الذي يروج وينفذ توجهات رأسمالية بشعة، فلا اليمين يمين ولا اليسار يسار، وليتم اختزال المسألة برمتها في انتخابات محدودة مظروفة في نسختها المغربية.

عزوف أم مقاطعة؟

إن المتأمل للمشهد السياسي والانتخابي قبل الباحث المتخصص ليلحظ أن المواطن المغربي يقاطع الانتخابات عن دراية وخلاصات واستنتاجات غير مصرح بها، راكمها على مدى سنوات، وذلك من خلال ظواهر تقرها الأحزاب نفسها في صراعها مع نظرائها ولا أدل على ذلك ما حفلت به الجرائد الحزبية ومواقع التواصل الاجتماعي أو البيانات والملاحظات اليومية التي رافقت انتخابات الغرف المهنية في 07/08/2015، فالفعل ليس اعتباطا لأن غير المسجلين وغير المنتخِبين يطالعونك بلائحة طويلة لمبررات المقاطعة تجدها سياسية بامتياز، وعليه فمن الحيف والإجحاف القول بعزوف المغاربة عن الانتخابات وإنما هو خيار المقاطعة للعملية برمتها، موقف تبلور في لاوعي المغاربة، وأضحى سلوكا سياسيا متأصلا لعله لم يرق لتنظيم محكم، موقف ينطق في صمت، ويصرخ في واد لم يلجه إلا قليل من سياسيي البلد، ولا صدى له إلا في تنظيمات محدودة ذاقت، كما المغاربة ردحا من الزمن، ويلات استبداد سياسي لا يعرف إلا الرفس والقمع والحصار والتضييق على كل فعل سياسي جاد.

فلِمَ هذا الحجر على الأصوات المقاطعة؟ ألا مكان لهم بين هذا الزحام أمام الكاميرات والشاشات؟ أإلى هذا الحد تخاف السلطة من رأي هو من صميم الممارسة الانتخابية؟ أم إن وهن بيت العنكبوت لا يقوى على نسيم بارد، بالأحرى عاصفة هوجاء؟ أيكون هذا التضييق دليلا على قوة صوابية هذا الطرح؟ ألا تستحق مبرراتهم أن يناقشها المغاربة؟

هذه مقدمة لأسئلة كثيرة كبيرة، لن يكون لأي عملية سياسية معنى ما لم يجد المواطن المغربي أجوبة شافية لها، أجوبة تعيد المصداقية للعمل السياسي والحزبي، وتضعه على بداية السكة، في انطلاقة صحيحة تتدارك ما فات وتجنب البلد كل شر من الآفات، وتقطع الطريق على كل مفسد وعاث.