بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه.

جماعة العدل والإحسان

الدائرة السياسية

الأمانة العامة

لهذه الأسباب نقاطع انتخابات الجماعات الترابية وندعو إلى مقاطعتها

تعلن الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، وبعد تدارسها لكل الحيثيات الدستورية والسياسية والقانونية، مقاطعة انتخابات الجماعات الترابية المزمع تنظيمها ابتداء من تاريخ 04 شتنبر 2015، وتدعو أبناء الشعب المغربي وكل القوى السياسية والمدنية الحية إلى مقاطعة هذه الانتخابات، بسبب فساد أساسها الدستوري والسياسي وشكلية مؤسساتها المنتخبة واستبداد آلياتها القانونية والتنظيمية.

تعتبر الانتخابات الجماعية وسيلة ديمقراطية تشاركية يشارك من خلالها الشعب في صناعة السياسات واتخاذ القرارات بشأن القضايا التي تهمه بشكل مباشر، وتجعل المواطن يتحمل مسؤولية تدبير شؤونه المحلية.. وتعد المشاركة في هذه الانتخابات حلقة من حلقات السيادة الشعبية، ومناسبة لمحاسبة من تحملوا المسؤولية، ومحطة أساسية لاختيار المؤسسات التي تشرف على برامج التنمية المحلية؛ هذا في الديمقراطيات الحديثة، التي يملك فيها الشعب السيادة، ويسود فيها حكم القانون الذي يحد من كل النزعات الاستبدادية والتحكمية. أما في السياق المغربي، وللأسف الشديد، فإن المخزن يصر مرة أخرى على محاولة إلهاء القوى السياسية واستغفال الشعب المغربي والالتفاف على مطالبه بانتخابات صورية تكرس النزعة التسلطية وتفتح الباب واسعا للسلب والنهب والتلاعب بمشاعر المغاربة وإرادتهم دون حسيب أو رقيب من خلال مؤسسات شكلية وبرامج تنموية وهمية وعقيمة، ليس لها من وظيفة إلا إخفاء الوجه البشع لنظام الفساد والاستبداد.

وبناء على ذلك، وحتى يعلم الجميع طبيعة مقاطعتنا وأسسها الدستورية والسياسية والقانونية والتنظيمية، وأنها موقف سياسي واضح أملته علينا مسؤوليتنا أمام الله عز وجل وأمام مغربنا العزيز وأبناء شعبنا المقهور، نسوق فيما يلي بعض مؤاخذاتنا على منطلقات هذه الانتخابات ومسارها:

1- تعد الانتخابات الجماعية المقرر إجراؤها بداية شهر شتنبر أول انتخابات محلية في ظل دستور 2011 الذي طبل له الكثير واعتبروه “ثورة” في عالم الدساتير الحديثة، وراح البعض يقارنه بالدساتير الديمقراطية، في حين اعتبرناه حينها تكريسا للاستبداد، وهو ما ثبت بعد حين، حيث ظهرت عوراته مباشرة بعد إعماله، فبدأ الحديث عن “التنزيل الديمقراطي” و”التأويل الديمقراطي” للتغطية على عيوب النص والمضمون والصياغة وطريقة الإقرار.

إن هذا الدستور يجسد الاستبداد نصا وفعلا. ودون الخوض في التفاصيل التي يمكن الاطلاع عليها في وثيقتين سابقتين صادرتين عن الدائرة السياسية: وثيقة “وفاء وعصرنة لروح الاستبداد” التي صدرت بتاريخ 23 يونيو 2011، ووثيقة “لهذه الأسباب الدستورية والسياسية والقانونية نقاطع الانتخابات وندعو إلى مقاطعتها” التي صدرت بتاريخ 04 نونبر 2011، فإن ما يمكن التأكيد عليه في هذا السياق هو أن الدستور المغربي لا يزال يشرعن للحكم الفردي والإفلات من المحاسبة والعقاب ويعامل الشعب المغربي معاملة القاصر غير القادر على تحمل المسؤولية.

2- لقد تبنى المغرب منذ عقود “نظام اللامركزية”، ولكنه للأسف ظل شكليا بسبب الوصاية المتشددة والمراقبة المبالغ فيها التي تعكس غياب الثقة والخوف من إرادة الشعب، وتجرد نظام اللامركزية والمؤسسات المنتخبة من جدوى وجودها، وتجعلها تابعة للأجهزة المركزية، مما يجعلنا فعليا أمام نظام مركزي تتحكم في كل مخرجاته هيئات غير منتخبة. وللأسف، لم تنفع الفلسفة التشريعية وكل التعديلات القانونية، بما فيها تعديلات 2015، في التخلص من نظام الوصاية والمراقبة التي تكبل عمل المجالس المنتخبة، وتجعلها تحت رحمة سلطة الوصاية الإدارية لوزارة الداخلية من خلال الاستمرار في إسناد صلاحيات واسعة لممثلي السلطة (الوالي أو العامل أو من ينوب عنهما) على حساب المنتخبين الذين يفترض فيهم تمثيل المواطنين. ولذلك لا نفتأ نؤكد ضرورة تخفيف الوصاية لتصبح بعدية، ومن اختصاص قضاء مستقل فعلا، ووصاية ملاءمة فقط، حتى تتحمل الهيئات المنتخبة مسؤوليتها أمام الشعب صاحب القرار والكلمة الأخيرة.

ومما يسهل عملية التحكم أيضا تضخم عدد الجماعات ومعايير إنشائها غير الموضوعية، وعدم ملاءمة تقسيمها مع توزيع السكان، وإخضاع تقسيمها لاعتبارات أمنية بغاية التحكم والضبط، أو لاعتبارات فئوية غايتها تمكين بعض الوجهاء والنخب من إقطاعيات بهدف شرائها أو إسكاتها أو ضمان ولائها، أو لاعتبارات هدفها إدماج قبائل في أخرى لتشجيع التطاحنات خاصة فيما يرتبط بالترشيحات. كما يسهل تحكمَ السلطة المركزية في هذه المؤسسات المنتخبة ضعفُ الإمكانيات المتاحة مقارنة مع انتظارات كبيرة وآمال كثيرة يطمح إلى تحقيقها الشعب بمختلف فئاته. ولذلك فجل الجماعات المحلية عاجزة عن تلبية حاجيات السكان، بل إن عددا منها عاجز عن أداء واجبات المستخدمين. ورغم الحديث عن استقلال مالي للجماعات المحلية يبقى هذا الأمر نسبيا، لأن أغلب الجماعات تعيش على فتات التمويل المركزي، سواء فيما يرتبط بالإعانات أو القروض أو الإمدادات. وأمام العجز الدائم لمالية الدولة، فإن إمكانيات الجماعات مهددة هي الأخرى. يضاف إلى ما تقدم وجود اختلالات بنيوية تطال نظام اللاتركيز المفتقد للالتقائية/التنسيق الضرورية لخدمة لا مركزية حقيقية. وكل ما سبق يجعلنا أمام خلاصة أساسية: ما الفائدة من اختصاصات متقدمة بوصاية مشددة وموارد هزيلة؟

3- تعترض المناخ السياسي الذي تجري فيه هذه الانتخابات اختلالات سياسية كبيرة تتمثل في استمرار الاعتقال السياسي، والتضييق على حرية الرأي والتعبير والصحافة والحق في التنظيم والتخييم، وقمع الاحتجاجات السلمية، والتضييق على الهيئات الحقوقية والمدنية والمنابر الإعلامية، وإقصاء المعارضين وافتعال القضايا ضدهم، وهو ما يفقد العملية الانتخابية طابعها التنافسي وتكافؤ الفرص بين كل الفرقاء، وهذه أبسط متطلبات البيئة السياسية السليمة لإجراء انتخابات ديمقراطية. ولذلك، فالمشاركة في انتخابات تغيب عنها التنافسية وتكافؤ الفرص يعني القبول بتجميل نظام فاسد حريص على شرعنة سلطويته للظهور بمظهر ديمقراطي في المنتظم الدولي، وهو ما لا نرضاه لأنفسنا ولا لأبناء شعبنا. وأبسط مثال على ما سبق غياب الشفافية، وانعدام التوزيع العادل للموارد المالية المرصودة لتمويل العملية الانتخابية، واستمرار تسخير الإعلام العمومي، الذي يمول من جيوب دافعي الضرائب، للترويج للرأي الواحد وتسفيه الرأي المخالف، وإقصاء المعارضين للنظام من حقهم المشروع في ولوج الإعلام العمومي، وحرمان الأطراف الداعية لمقاطعة الانتخابات من التعبير عن موقفها بشكل حر عبر وسائل الإعلام، بل حتى بعض الأحزاب المشاركة تشتكي من وجود حيف في الاستفادة من تغطية الإعلام العمومي.

4- تجري هذه الانتخابات في ظل تحكم مخزني في مفاصل اللعبة الانتخابية طيلة كل مراحلها، وهو ما يفقد هذه الانتخابات حدها الأدنى من ضمانات النزاهة، ويكرس جو الشك والريبة والعزوف وفقدان الثقة: التردد في تحديد تاريخ الانتخابات، والسرية والتسريبات بخصوص مشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، وإجراء الحملات الانتخابية وتحديد يوم الاقتراع خلال العطلة الصيفية، واستعمال التقطيع الترابي كآلية للتحكم في صياغة المشهد الانتخابي، والاكتفاء بالتحيين الجزئي للوائح الانتخابية، والاستمرار في اعتماد التسجيل بطلب عوض التسجيل التلقائي مما يفسح المجال واسعا للتلاعب بنسبة التصويت، والتأخر الكبير في إعداد وإصدار القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، مما جعلها تتسم بالكثير من الاختلالات الشكلية، ناهيك عن مضامينها غير الديمقراطية، وصياغة المراسيم والقرارات التنظيمية المتعلقة بالانتخابات في ظروف استعجالية وأوقات قياسية مما جعلها تتسم أحيانا باختلالات مشينة، ولعل أبرز مثال هو الخطأ الحسابي المتعلق بعدد مقاعد المقاطعات في المدن الخاضعة لوحدة المدينة، والذي لم يتم اكتشافه إلا بعد الشروع في عملية الترشيح. وأما نمط الاقتراع، فلا يسهم إلا في مزيد من إفساد الحياة السياسية بما يسفر عنه من بلقنة المشهد السياسي، ويشجع على بروز أعيان ولوبيات انتخابية تعتمد الرشوة للظفر بالمقاعد ونسج التحالفات الغريبة لصناعة مجالس غير متجانسة، قابلة للتحكم والانفجار في أي لحظة. وبذلك تصبح الانتخابات في المغرب وسيلة لإفساد الحياة السياسية والنخب والشعب عوض أن تكون وسيلة دمقرطة وتخليق.

5- الهيمنة الواضحة لوزارة الداخلية التابعة مباشرة للقصر على إعداد مختلف مشاريع القوانين التنظيمية والقوانين والمراسيم والقرارات المتعلقة بالانتخابات، واحتكارها للتدبير الحقيقي للقسط الأهم من أمور الجماعات الترابية وكل ما يتعلق بها رغم ما يروج له من تمييز بين الإشراف السياسي والتقني والذي ليس إلا محاولة لتبييض سياسي لانتخابات تحتكر وزارة الداخلية الإشراف الفعلي على كل مراحلها، وهي ذات الباع الطويل في تزوير الانتخابات والتحكم في خريطتها.

6- تجري الانتخابات المحلية بعيد أسابيع من إجراء الانتخابات المهنية، وقد سجل على هذه الأخيرة ملاحظتان هامتان على الأقل: نسبة المشاركة الضعيفة والتي لا يعلم حقيقة ضعفها إلا وزارة الداخلية بصفتها المحتكر الوحيد لإدارة هذه الانتخابات، وتظلم وتشكي الجميع بمن فيهم وزراء وبرلمانيون وقادة أحزاب بارزون من استعمال المال وشراء الأصوات وعدم حياد الإدارة مما يعزز الشكوك حول الظروف التي ستعقد فيها انتخابات الجماعات الترابية. يضاف إلى ذلك التوافق المفضوح، الذي ظهرت بعض مؤشراته من الآن، بعدم الطعن في مجريات العملية الانتخابية ونتائجها.

إن الملاحظات أعلاه، التي ليست إلا غيضا من فيض، تؤكد بالملموس أنه من العبث المراهنة على انتخابات تجري وفق نفس الشروط التي أنتجت نظام الفساد والاستبداد. وهذا ما يتضح من الاستنتاجات الآتية:

أولا: يتبين من النصوص المنظمة للجماعات الترابية أن المخزن عمل بشكل دؤوب على إفراغ كل التعديلات الدستورية التي بدت إيجابية من محتواها (الانتخاب المباشر للمجالس الجهوية وتقديم العرائض..) وذلك من خلال تشديد المراقبة القبلية والبعدية على أعمال المجالس الترابية، والإضعاف من سلطة الرئيس المنتخب، وإبقاء الأجهزة المنتخبة تابعة لسلطة غير منتخبة، والحيلولة دون بناء جماعات محلية قوية ومتجانسة وذات تمثيلية حقيقية للساكنة المحلية.

ثانيا: رغم احترامنا لوجهة النظر المخالفة، فإننا نرى أن المساهمة في الانتخابات المحلية، سواء بالترشيح أو التصويت، قبول بالحجر على الشعب والتنقيص من سيادته، خاصة وأن وزارة الداخلية ظلت محتكرة من قبل سلطة المخزن، مما يجعل رهاناتها مختلفة تماما عن رهانات توسيع الهامش الديمقراطي الذي نادى به بعض الفضلاء. فكيف ينتظر من جهاز يعتبر اليد الطولى للمخزن العتيق أن يعمل من أجل أن يمارس الشعب ولايته على الجماعات الترابية.

ثالثا: تعتبر الجماعات المحلية تفصيلا مقبولا في نظام ديمقراطي، إلا أنها في نظام استبدادي توظف لترويض الساكنة على القبول تدريجيا بالسلطة الاستبدادية، ودفعها إلى التسليم بعجز الجماعات المحلية عن القيام بدورها، مما يولد سخطا تستغله السلطات الحاكمة في إسناد كل الإنجازات لجهة واحدة ووحيدة.

رابعا: تكريس الاستبداد وترسيخه هو العنوان البارز لكل مشاركة في مسرحيات سميت زورا وبهتانا “انتخابات محلية”، إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه، فجماعات فقيرة لا تملك صلاحيات حقيقية، وعليها أعباء متزايدة بسبب الطلب الاجتماعي الكبير، أنى لها أن تقوم بأية تنمية محلية فعلية؟

خامسا: إذا كان الأصل فاسدا، فأنى للفروع أن تسلم من فساد الأصل، بل هي في خدمته. ولعل من أبرز الجنايات في حق الشعب المغربي بعد مآسي التربية والتعليم، ما أصاب تصاميم المدن والقرى، وتهيئة المجال، والبنيات التحتية، والمرافق والممتلكات العمومية من كوارث بسبب هذا الفساد.

لهذه الأسباب كلها، لا نستغرب أن تكون أغلب الفئات الشعبية، خاصة الشباب، عازفة عن المشاركة في الانتخابات والمؤسسات الرسمية، وترى في ذلك عبثا واستخفافا وإلهاءً. وعزوفها سياسي بالأساس وليس انتخابيا، وسببه سياسات المخزن التي عملت منذ عقود على تجريف المشهد السياسي من كل جدوى ومصداقية.

إننا ومن منطلق مسؤوليتنا أمام الله عز وجل وأمام الشعب المغربي، وانسجاما مع مبادئنا ومطالبنا، وخدمة لمصلحة المغرب والمغاربة، ورفعا لكل مظلة عن الفساد والاستبداد، نقاطع انتخابات الجماعات الترابية المزمع تنظيمها يوم 4 شتنبر وندعو إلى مقاطعتها.

والله المستعان من قبل ومن بعد.

الجمعة 05 ذو القعدة 1436هـ الموافق لـ 21 غشت 2015