تساؤل ضروري؟

هل نحن في المغرب لنا مجال المفاضلة والاختيار فعلا بين مجال للإصلاح من الداخل وبشكل متدرج ووفق خط ثابت وأهداف تتحقق بالتوالي ولو بشكل بطئ، وبين مقترح ثورة عاجلة عنيفة لا تبقي ولا تدر؟

إذا كان الأمر كما سبق فلن يختار الاختيار الثاني على الأول إلا أحمق مستعجل، أو وصولي تافه، أو انقلابي متعطش للدماء، أو إقصائي خادم لأجندة غيرٍ لا يريد لنا إلا الضعف والاقتتال.

وقصدنا في هذا المقال أن نقصي كل المغالطات والمزايدات لنرى أي أفق هو الأفق، وأي تغيير منشود هو المطروح.

في إصلاح أم أمام ثورة نحن؟

أكيد أن الفريق الذي في السلطة وكل الأطراف المتحلقة حوله، وأيضا الداعمين الخارجيين لهذا “النموذج” يرفعون شعار: إصلاح ضمن استقرار خير وأمن خير من تغيير يفضي إلى مصير سوريا أو مصر. بينما يرى الفريق المنتقد لهذا المسار أن عدم الدخول في إصلاح حقيقي والالتفاف عليه بإجراءات تمويهية في الهامش والهروب إلى الأمام هي بالضبط من جر سوريا ومصر لهذا المصير المأساوي الذي يبقى حتميا لمن يدس رأسه في التراب ويمني نفسه بالتغيير.

إذن فهل نحن في المغرب بصدد إصلاح من الداخل، عبر أوراش كبرى طموحة تتطلب وقتا وصبرا، تعارضها إرادات عجولة وغير واعية بشروط الإصلاح من الداخل ومآلات الاستعجال، تبحث عن أسباب ثورة تنفجر في وجه الإصلاح وتفتح أبواب جهنم؟

الواقع الملموس يسهل على الملاحظ المنصف أن يستنتج بأننا لسنا لا بصدد “إصلاح ضمن استقرار” ولا أمام “مقترح ثورة متهورة” تتصيد أخطاء المصلحين. كيف ذلك؟

تهافت ادعاء الإصلاح من داخل

باستحضار دلائل وقرائن واضحة نجد أنفسنا في الحقيقة بين حِيَلِ مخزن متمرس، له خبرة طويلة في كيفية تجدد نُخَبِه وإبداع أشكال استبداده، وطرق احتواء أعدائه، والبراعة في نزع شوكتهم بهدوء وتدريج، وذلك عبر استدراجهم إلى مشاركة في شكلها انتخابية ديموقراطية وفي جوهرها عملية سياسية انتحارية. إذ أن محصلة هذه المشاركة، وعبر عقود من التجارب لا تفضي إلا إلى نتيجة واحدة: نزع أهم سلاح عند الخصوم الذي هو السند الشعبي، والرصيد الأخلاقي، ولو بعد حين. ومعلوم أن القوة الرئيسية لكل فاعل سياسي هي السند الشعبي المنبثق عن الرصيد الأخلاقي.

فحينما يستدرج النظام الحاكم ذو الفلسفية المخزنية خصومه إلى تحمل المسؤولية ضمن حكومة فاقدة لكل مقومات الحكم، فإنما يكون قد وضعه أمام الأمر الواقع وهو: الدفاع عن سلبيات قرارات المخزن، بينما تنسب للمخزن كل القرارات الإيجابية. وبهذه السياسة الماكرة لم يبق أمام المصلحين بنياتهم، المفسدين بأفعال غيرهم، إلا الدخول في سرداب تغيير استثمار الذات والقناعات عبر شعار الواقعية والتمويه وإقصاء كل ممانع، وهذا ما ألفناه، أو تقديم استقالاتهم، وهذا ما افتقدناه. وفي إطار خدمة هذا المشروع توضع كل وسائل الدولة ومقوماتها رهن إشارة هذا “الخادم الجديد”. هذا الترويض الممنهج يجعل من المتفوقين في “الاندماج والإدماج” مهندسي المرحلة لسياسة المخزن وفلسفته، لن يتخلى عنهم إلا عند مرحلة جديدة تتطلب خداما آخرين يكون قد هيأهم و”سمنهم” لعيدها. والنتيجة أنه حدث تغيير فعلا لكن فقط في الداخلين لدار المخزن والمتخرجين من “معهدها”، ويكون كمن انطرح على ظهره ليوهم نفسه أن السماء أصبحت تحته. والأمثلة كثيرة يسجلها كل مغربي عن الكثير من الشخصيات والفصال السياسية التي كان لها “شرف خدمة الأعتاب الشريفة” ماذا كانت تقول وتفعل قبل وبعد الانخراط في برنامج المخزن “التغييري الإصلاحي”. ولعلنا نكتفي هنا بذكر الموقف من طقوس حفل الولاء ومهرجان موازين والموقف من منع المعارضين من أبسط حقوق المواطنة. كان الرفض التام قبل المشاركة، والموافقة والتبرير بعدها.

حقيقة الثورة العنيفة وملامح الخيار الثالث

إذا استثنينا بعض المكونات الثورية الصغيرة، والناقمين على الوضعية المزرية، نجد فئة عريضة ومتنوعة، منظمة وغير منظمة، ترفض الدخول عن طواعية في مشروع التغيير المفروض على الذات من طرف الآلة المخزنية، وتطرح إمكانية فرض تغيير أو إصلاح من خارج المؤسسات الصورية الماسخة للذات، بالتدريج وبدون استعجال، بقوة لكن بدون عنف.

هذا الطرف يعطي الأولوية لعافية ذات الفاعل السياسي، وصحة التنظيم الممانع التي هي السلاح السلمي الفعال لتحقيق التغيير المنشود. بينما تأتي مشاركته في التغيير المباشر في المرتبة الثانية ليس لعدم أهميتها بل لواقعية الأمر، فبدون جسم منظم منسجم قوي، له رصيد أخلاقي عالٍ واحترام شعبي كبير، يستحيل التدافع مع مخزن خبير يحتكر كل مقومات الدولة وله مساندة خارجية قوية. ومعلوم أن خصمك إذا استطاع تحييد سلاحك في المعركة فقد هزمك، فانتظر إملاء شروطه وخدمة أهدافه لا أهدافك.

نظريا قد يرى البعض أن التغيير الأمثل هو الذي تتآزر فيه جهود العاملين من خارج ومن داخل. فإذا جعل العاملون من الداخل من أنفسهم معاول خير تفتح الفجوات منها يتسرب بحكمة العاملون من خارج لتحقيق مكاسب جديدة، والتموضع على أرض كان يحتلها الفساد. نكون، وفق أصحاب هذه الرؤية، قد انطلقنا فعلا في طريق الإصلاح داخل الاستقرار بين فاتحين من داخل لمتسربين من خارج عبر حركة تحاصر الفساد والمفسدين بالتدريج وبفعالية، حركة تجنب المغرب التغيير العنيف الناتج عن الإصلاح الوهمي.

هل ذاك ممكن؟

إذا كان الخيار الذي استعرضنا ملامحه يبدو مثاليا وناجعا فهذا لا يجعله بالضرورة قابلا للتطبيق لأسباب كثيرة.

الأول: بكل واقعية نسجل أن المخزن ما زال متحكما في اللعبة بشكل كلي، ويتدخل في وقت مبكر جدا لقطع أي صلة محتملة بين الطرفين السالفي الذكر، ويعتبر كل إشارة تقارب بينهما بمثابة خيانة يعاقبه عليها عقابا قاسيا يكون عبرة للآخرين. ولا ننسى حالة الضعف والوهن التي يصل إليها الداخل في “اللعبة” قبل إدماجه، وأن هذه الحالة تزداد تفاقما كلما استمر في إثبات “حسن السيرة” لمن يراقب سلوكه ليجازيه أو يعاقبه عليه.

الثاني: انعدام الثقة بين الأطراف الفاعلة والفعالة، واستثمار المخزن لهذه الوضعية واستغلال كل فرصة لتوسيع الهوة، وشحن المواقف، وازدياد الاستقطاب بينها.

في النهاية

فهل من الممكن أن يفك أهل الداخل الارتباط بالتدريج مع مخزن ماسخ، وأهل الخارج الارتباط مع إيديولوجيات هي القيد بعينه، ليلتقي الجميع على أرضية ثقة وتفاهم وتعاون على بنود ميثاق يحققونها معا لشعب يستحق كل خير؟ أم أن عجلة التغيير التي أصبحت تدور بسرعة ستطحن كل من يقف في وجهها جاهلا لسنن التاريخ وسنن تداول الأيام بين الناس التي جعلها الله قدرا مقدورا؟