إن الحديث عن “الحركة الصهيونية” يعود بنا إلى قرون خلت، ويعود بنا إلى إصلاحات جرت، فالحركة الصهيونية حسب تعريفها المتداول هي حركة سياسية يهودية تسعى لإنشاء وطني قومي لليهود، تأسست في أواخر القرن التاسع عشر على يد الصحفي النمساوي ثيودور هيرتزل، هذا الأخير ارتبط اسمه بالحركة الصهيونية “الحديثة”، وكلمة “حديثة” تدل على أن هناك حركة صهيونية قديمة إن صح التعبير، حيث تعود جذورها إلى الكتاب المقدس العهد القديم أي التوراة من باب إطلاق الجزء على الكل، باعتباره يحمل في طياته الوعد بالأرض، إلا أن تجسيد الفكرة أو إيقاظها، والتنظير لها لم يظهر في تلك الفترة، وإنما ظهر في القرون الوسطى، بالضبط مع الإصلاح الديني بقيادة مارتن لوثر، وقد يطرح تساؤل وجيه هنا وهو إن كانت الحركة الصهيونية تعنى بإنشاء وطن قومي لليهود فما علاقتها بالإصلاح الديني الذي مس المسيحية؟

لقد شهد التاريخ علاقة عداء بين المسيحيين واليهود، والسبب يعود لمكر اليهود ولدسائسهم التي عرفوا بها على مر العصور إضافة إلى اتهامهم بقتل “يسوع” (المسيح ابن مريم عليه السلام)، وكذلك لموقفهم من المسيحية فقد جاء في كتاب الأصول الإنجيلية لمحمد السماك أن اليهود كانوا يقولون يجب على اليهود السعي الدائم لغش المسيحيين) ومن يفعل خيرا للمسيحيين فلن يقوم من قبره قط)، وموقف المسيحيين من اليهود لا يختلف كثيرا، جاء في الكتاب نفسه أن النصارى كانوا يقولون يعتبر اليهود خطرا على جميع شعوب العالم، وخاصة الشعوب المسيحية)، ويتضمن التلمود كل الكفر والإلحاد والخسة)، وعلى مر العصور كان الموقف السائد هو العداء للآخر أي عداء اليهودية للمسيحية والعكس صحيح، ويبقى الموقع هو الحاسم، وشهد التاريخ أن المسيحيين كانوا في موقع قوة لذلك ارتكبوا مجازر وحملات تطهير عرقي في حق اليهود.

وجاءت القرون الوسطى لكي تحمل منعطفا غير مسار العلاقة بين المسيحيين واليهود، فبعد أن كانت الكنيسة في العصور الوسطى متسلطة على رقاب المسيحيين، وتفرض ما ترى حتى ولو خالف العلم والعقل، وكانت تقتل كل مخالفيها، وبلغ بها التسلط إلى إصدار صكوك الغفران للمذنبين، في هذه الفترة اشتدت الحاجة إلى حركة إصلاحية لتغيير الأوضاع وكسر هيمنة الكنيسة، وهي التي جاءت بقادة “مارتن لوثر”، مطالبة بجعل الكتاب المقدس المصدر الوحيد للتشريع وليس “البابوات”، وأن تنزع سيطرتهم واستئثارهم بقراءة الكتاب المقدس بالخصوص “العهد القديم” ليسمح لكافة المسيحيين بقراءته، هذه الإصلاحات سميت فيما بعد بـ”البروتيستانتية”، وبعدها بدأت التفسيرات تأخذ منحى آخر، فبدل التفسيرات اللاهوتية للكتاب المقدس، ظهرت التفسيرات الحرفية والفردية، إضافة إلى إعطاء طابع سياسي لتحقق النبوءة، بمعنى إمكانية التدخل سياسيا لأجل تحقيقها، جاء في كتاب “النبوءة والسياسة” لغريس هالسل الذي ترجمه محمد السباك إن رياح التغيير في الموقف المسيحي تجاه اليهود بدأت تهب منذ ظهور الحركة الإصلاحية البروتيستانتية في القرن السادس عشر، حين أطاحت هذه الحركة بحق الكنيسة في احتكار تفسير الكتاب المقدس وتحديد الرؤية المسيحية الفكرية، وبذلك تم إحياء النص التوراتي، وبدأ التفسير الحرفي للنصوص المتعلقة باليهود يحل محل التأويلات والتفسيرات التي تبنتها الكنيسة الكاثوليكية الأم، وبدأت النظرة إلى اليهود تتغير تدريجيا)، وذكرت ريجينا الشريف في كتابها الصهيونية غير اليهودية جاءت البروتيستانتية بفكرة إقامة الحقيقة الدينية على أساس الفهم الشخصي دون فرض قيود على التفسيرات التوراتية، فكان كل بروتيستانتي حرا في دراسة الكتاب المقدس واستنتاج معنى النصوص التوراتية بشكل فردي وهكذا فتح الباب للبدع في اللاهوت المسيحي وأصبح التأويل الحرفي البسيط هو الأسلوب الجديد في التفسير بعد أن هجر المصلحون البروتيستانت الأساليب التقليدية الرمزية والمجازية)، فبعد هذه الإصلاحات صار الكتاب المقدس بعهده القديم والذي يحمل الوعد بالأرض لليهود، هو المرجع الأعلى لفهم المسيحية، وحظيت اللغة العبرية التي نزل بها بمكانة كبيرة عند المسيحيين، وانتشرت في الأوساط المسيحية، وكلنا نعلم ما تحمله اللغة، فبانتشار اللغة تنتشر الثقافة، ومن خلال انتشار الثقافة تنتشر الأفكار، والأفكار صارت عقيدة فيما بعد، والمقولة القائلة أن كل مسيحي يهودي عقديا وليس العكس) صحيحة تماما.

بعد هذا بدأت تدخل للعقيدة المسيحية بعض الأمور من ضمنها النظر لليهود على أنهم شعب الله المختار، وعلى أن الله وعدهم بأرض فلسطين، والأخطر ربطهم عودة المسيح “يسوع” بقيام دولة يهودية على أرض فلسطين، وبهذا فقد تسرب إلى عقيدتهم أن الله يريد من المسيحيين “البروتيستانتيين” أن يساعدوا اليهود على إنشاء هذا الوطن، وهكذا نشأت قاعدة الصهيونية المسيحية التي تربط الدين بالقومية، والتي تسخر الاعتقاد الديني المسيحي لتحقيق مكاسب يهودية) حسب ما جاء في كتاب الأصولية الإنجيلية.

وبذلك فإن الحركة الصهيونية قد ظهرت قبل ثيودور هيرتزل بحوالي ثلاث قرون، وإن قلنا أن الحركة الصهيونية الحديثة ظهرت على يد هذا الأخير، فإنها عامة ظهرت على يد الأصوليين المسيحيين، وقد صرح بذلك أحد كبار قادة الصهيونية اليهودية في كتابه (خط الدفاع الإسرائيلي) حيث قال: إن أول من رفع شعار (فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) هم أصوليون مسيحيون، وإن المسيحية اليهودية هي التي مهدت لظهور الصهيونية اليهودية ودعمتها لتنفيذ المشروع الاستيطاني فوق أرض فلسطين، وهي التي خلقت تيارا شعبيا قويا ينحاز دائما إلى الحركة الصهيونية ويضغط دائما على مؤسساته الرسمية لتمنحها الدعم والمساندة وتحقيقا لأهدافها العدوانية التوسعية).

مما يعتقده هؤلاء المسيحيين الجدد أن إشارات عودة “المسيح” هي :

1- عودة شعب الله المختار إلى أرضه وحدث ذلك في سنة 1948.

2 – احتلال القدس وحدث هذا سنة 1967.

3- بناء الهيكل …

وبعد بناء الهيكل ستندلع معركة “هرمجيدون” أي الملحمة الكبرى التي ستقع بين المسلمين وبين الروم (المسيحيين واليهود).

لهذا نجد الدعم اللامشروط من طرف المسيحيين للصهيونية وبالخصوص المسيحيين البروتيستانت في أمريكا وبريطانيا على سبيل المثال لا الحصر.

المسيحيون الكاثوليك أيضا أصلحوا علاقتهم باليهود بعد أن تمت تبرئتهم من دم “المسيح”.

بذلك نفهم، ونعلم، ونتيقن أن دعم الحركة الصهيونية من طرف المسيحيين “أي الغرب” هي مسألة عقدية وليست مسألة تعاطف أو ما شابه ذلك.