الأبرار والفجار: كلمتان قرآنيتان، واردتان في قول الله عز وجل: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين 1 .

الهدف من هذا الاختيار ليس من أجل التصنيف التفاضلي أو التصنيف الجزائي كما يحلو لبعض المعياريين فعله: (أنتم.. / نحن..)، إنما ذلك موكول لخالق الناس. بل الهدف من هذا التوظيف هو فهم حركة التاريخ والعمل على البر والابتعاد عن الفجور، والفرح بموعود الله: النعيم للأبرار والجحيم للفجار.

لكن من ينظر بعين الدنيا يرى صورة مقلوبة: أهل البر يعيشون محنا متتالية، تعترضهم أشواك في الطريق… هؤلاء الأبرار يخصهم الله بهذا الخطاب المباشر في قوله سبحانه: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ 2 .

إن القلب يتفطر عندما يرى دم المسلمين في الشام والعراق ومصر واليمن… أصبح أرخص دم على الأرض، استباحه غير المسلمين واستأجروا أيادي البطش من بني جلدتنا ليقتلوا الأبرياء من الرجال والنساء، والأطفال والشيوخ في دار الإسلام باسم الإسلام. كل ذلك يرسم عند الخاص والعام من معمري الأرض في هذا الزمن صورة قاتمة عن الإسلام، وأن أهل الإسلام أهل الفتن والحروب وسفك الدماء، بينما غيرهم ضحايا عقلية ظلامية تبحث عن موقع في الأرض تحت مسمى “دولة الإسلام”!!

إن الحرب ضد الإسلام شرسة وذكية وطويلة المدى، منذ الخلفاء الراشدين إلى اليوم. كل من اطلع على تاريخ المسلمين وانتكاسات المسلمين، بنظرة من أعلى التاريخ وامتلك أدوات التحليل التاريخي وله رؤية مستقبلية، اكتشف الأيادي الخفية التي تلعب بعقول المسلين وتبطش بالنفوس وتحاصر الأحرار وراء الأسوار: إنها يد الصهيونية الماكرة التي طوعت بعض الحكام العرب المرضى بجنون السلطة وإهانة الشعوب. ولو أنصف الصهاينة لأقاموا لهؤلاء الحكام تماثيل ترمز إلى ما قدموا لإسرائيل من عون ضخم ونصر رخيص.

في الزمن المعاصر، ظهرت حركات الممانعة من الأبرار تقاوم الجور والاستبداد في أرض الإسلام، فأنشأت لها نواة المكر الممثلة في الصهيونية دوائر تشكل حاجزا مانعا وتجعلها خصما سياسيا وعدوا عقديا. هذه الدوائر ثلاثة مستويات:

– حركات مدنية تعمل في إطار مرجعية مناوئة، تنافس الحركة الإسلامية في الأنشطة الميدانية، وظيفتها الاستقطاب البشري من أجل تكوين قوة بشرية تكسبها المشروعية.

– حاكم هاجسه سلطة وثروة، يصارع كل قوة مجتمعية تسعى لفصل السلطة عن الثروة.

– قوى عالمية كبرى يحكمها هاجس السعي لخدمة مصلحتها وإعادة بناء العلاقة بين الشرق والغرب بما يخدم هذه المصلحة تحت مسمى منظومة الشرق الأوسط الجديد.

لعل العالم المنظور يشهد على حقيقة التدافع الذي يقع في العالم المعاصر عموما وما يقع في أرض مصر خصوصا من اغتصاب لثورة شعب أراد الحرية والكرامة والخروج من تحت عباءة مظلمة لحكام مستبدين منذ عقود، فكان له ما صنع وأخرجت صناديق الاقتراع أناسا أبرارا لم يبالوا لحظة نشوة النصر بمكر الماكرين وعبث العابثين؛ هؤلاء تسللوا في عتمة الظلام ليذبحوا شباب الثورة، ويكشف شعاع صبح بشاعة جريمة يد الغدر عميلة الاستعمار الجديد.

لقد كانت مصر وثنية في العصور القديمة، ثم تنصر أغلبها، فهل يقول الوثنيون المصريون لمن تنصَّر: إنك فقدت وطنك بتنصُّرك؟!

ثم أقبل الإسلام فدخل فيه جمهور المصريين، فهل يقال للمسلم: إنك فقدت وطنك بإسلامك؟!

ثم خرج الإخوان المسلمون إلى ميدان رابعة ليعلنوها ثورة سلمية، فذُبحوا وقتلوا واعتقلوا في السجون، ليقال للعالم المتفرج: إنهم إرهابيون!

كثيرة هي الأقلام التي تكتب اليوم عن تجربة مصر، لكنني أظن أن شروط التقويم غير متوفرة الآن، ومن غير اللائق الحديث عن تجربة أصحابها يقبعون في غياهب السجون ودماء الشهداء لا تزال تسقي أرض الكنانة.

إخوان لنا برهنوا على صدق نواياهم بالثبات والصمود والصبر، فهم مرابطون في مدرسة يوسف يحتاجون منا اليوم الدعاء. كم أفرحتني رسالة الدكتور سيف الدين عبد الفتاح تحت عنوان رسالة إلى معتقلينا.. أنتم بأعيننا وفوق رؤوسنا) 3 ، والرجل له ماله من آراء عن هذه التجربة الفتية، يكتب اليوم رسالة مليئة بالمشاعر القوية اتجاه رجال ونساء كالجبال الرواسي الشوامخ، مخاطبا إياهم بالأبرار والأحرار…

يقول محمد الغزالي رحمه الله في كتابه قذائف الحق 4 : إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة).

أجل إن الله يحب أولئك العاملين في صمت، الزاهدين فى الشهرة والسلطة، المشغولين باللباب عن القشور، المتعلقة قلوبهم بالله، لا تحجبهم عنه فتنة ولا تغريهم متعة، بهم يبنى صرح الأمة وبهم ترزق وبهم تنصر…

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: هذه سنة الله في التاريخ، ولن تجد لسنة الله تبديلا. مهما كانت الوسائل المتاحة في العصر فإن حركية التاريخ لا تتغير لثبات الفطرة الإنسانية المغروزة في النفوس، وثبات الحاجـات الاقتصادية للإنسان، وثبات الدوافع الاجتماعية والسياسية والاستكبارية التي تجمع الفئات العرقية والقبلية والحزبية المصلحية أو المبدئية في تكتلات) 5 .

ويقول رحمه الله في مقدمة كتاب سنة الله: ومن شروط الله وسنته المكملة لمعاني حكمته تعالى في الكون وابتلائه للعباد بالسراء والضراء أن يتعاقب النصر والهزيمة ليربي الله الذين آمنوا ويمحصهم ويمحق الكافرين آخر المطاف) 6 . قال جل شأنه عن هزيمة أحد: قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ. وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ 7 .


[1] سورة الانفطار، الآية 13 و14.\
[2] سورة آل عمران، الآية 140.\
[3] المنشورة بموقع عربي 21 بتاريخ 5 غشت 2015: http://arabi21.com\
[4] من أهم كتب الشيخ الغزالى، ممنوع من النشر فى أغلب الدول العربية، الكتاب به العديد من القذائف التى يطلقها الشيخ رحمه الله موضحاً الكيد ضد الإسلام والدعوة من الداخل و الخارج.\
[5] سنة الله، ص7.\
[6] سنة الله، ص 10.\
[7] سورة آل عمران، الآية 138.\