ما هو أشد عقاب ينتظر الظالمين ويليق بطغيانهم ويكافئ تجبّرهم؟ سؤال مهم ألح علي وأنا أتابع هذ الاستشراء غير المسبوق للظلم بكل أصنافه ومستوياته وفي كل أرجاء المعمور، وإن كان أكثر من يصطلي بناره في الآونة الأخيرة أهل الإسلام وأصحاب دعوة الحق منهم بالتحديد. من يأتيني بالخبر اليقين؟ هل تفي كتب التاريخ بالغرض، وهي الملآى بالحوادث والوقائع لكن اليقين فيها قليل؟ ليس تمة إلا كتاب الله عز وجل من يَحسم الجواب ويُحْسنه.

يُحدِّث القرآن الكريم، في العديد من آياته، عن الظلم ويعدد صوره ويحدد أصنافه ويبين أسبابه الكلية ويَذْكُر مآلاته وعاقبة ممارسيه وضحاياه. فقد اعتبر أن أعظم الظلم وأفدحه الشرك بالله: إن الشرك لظلم عظيم 1 . ثم يأتي بعده الاعتداء على حقوق العباد واغتصابها وحرمان المستحقين لها منها سواء كانت حقوقا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. كما أكد القرآن الكريم أن دين الله وشرعته قاما، في جوهرهما، على مناهضة الظلم ومقاومته بكل السبل وعدم الرضى به أو الاستسلام له. بل إن كتاب الله عرض نماذج من مجابهة أنبياء الله ورسله، وورثتهم، للظلم بكل أشكاله. بل لقد استنكر عدم بذل الوُسْع لنصرة المظلومين وجَعَل الوقوف معهم ضد من يضطهدهم قرينا لنصرة الدين وإقامته: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا، الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا 2 .

ـ 2 ـ

ليس تمة مظلوم إلا وحدثته نفسه بالانتقام ممن ظلمه، أو اعتدى على حق من حقوقه، ورد عدوانه وإيلامه أشد الألم، حسب طبيعة الظلم ودرجة أذيته. وقد تكون هذه الرغبة فطرية في الإنسان. لكن ليس في متاح كل مظلوم أن يقتص من ظالمه، أو ظالميه، وأن يبرد نار شهوة الانتقام منهم والانتصار عليهم. لذلك تأسست سنه الله في الخلق على مبدأ أن المظلوم منصور دائما وفق مشيئة الله وتقديره المطلق. فقد طمأن الحق سبحانه وتعالى جميع المظلومين بشأن القصاص من ظالميهم واعتبر ذلك وعدا ناجزا ألزم ذاته الشريفة به يقول تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء 3 . كما ورد في الحديث القدسي الذي رواه خُزَيْمَةَ بن ثَابِتٍ، قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ : وَعِزَّتِي وَجَلالِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ” 4 . وبناء عليه لم يطلب من المظلوم إلا الانخراط في موكب المناهضين للظلم من الأنبياء والمجاهدين وتمثل سيرتهم واستصحاب أساليبهم في تقويض دعائمه وإنهاء سلطانه مع تفويض الأمر لله عز وجل والتوكل عليه واليقين في تحقق نصره وقصاصه العادل.

فلو تُرك الأمر للمظلوم لتصور أصنافا من العقاب واشتهى أن يطول أذاها الظالم. إذ قد يتمنى زوال أسباب جبروته وسقوطه من أعين الناس وهوانه عليهم أو موته أو عذابه بعلة كالمرض أو الفقر أو أن يُسلَّط عليه ظالم غيره فيذيقه من نفس الكأس التي طالما تجرعها المقهورون على يديه. لكن كل تلك العقوبات، حتى أبشعها، تظل مؤقتة بالنسبة لمستحقيها ويزول مفعولها بزوالهم في الدنيا ولا يتعدى أثرها إلى الآخرة حيث الخلود إما في نعيم أو جحيم. لكن الله جلت قدرته وتقدست عظمته هو العليم بخلقه والمطلع على مكنونات نياتهم وحقيقة أفعالهم فهو الأحق باختيار ما يليق بالظالمين من عقوبات جراء شرورهم ولقاء جبروتهم وطغيانهم.

ـ 3 ـ

من النماذج التي اختار القرآن الكريم التركيز عليها وتكرار عرضها لتكون عبرة لبني البشر، قصة تصدي الرسول الكريم موسى عليه السلام لفرعون وملإه الذين مثلوا مدرسة نموذجية في الظلم بكل أنواعه. فقد وصل الطغيان بفرعون ذروته والجنون قمته حين اعتقد أنه مالك لزمام مصائر الناس فقال قولته الشهيرة: “أنا ربكم الأعلى”. ولأن الصراع في هذه الحالة لم يكن بسيطا ولا عابرا بل كان ضد نموذج من الشر ظل يتكرر عبر التاريخ بصور متعددة ومستويات مختلفة، فإن العاقبة كانت هي أيضا منسجمة مع السياق وملائمة للمقدمات. حيث نال فرعون وملأُهُ أقسى عقوبة توعد الله الجبار عز وجل بها الظالمين. هذه العقوبة عَبَّر عنها القرآن الكريم في صورة دعاء مزلزل ألهمه الله عز وجل لصفيّه وكليمه واستجاب له. قال تعالى: وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون 5 . خرج فرعون وجنوده، رمز طغيانه وآلة جبروته، لاستئصال موسى ودعوته وقومه وما خرج في حقيقة الأمر إلا إلى حتفه وعاقبة مكره. فلم يدرك حقيقة مصيره إلا في الرمق الأخير: حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين 6 .

لقد أفصح هذا الدعاء النبوي عن العذاب الخطير الذي يتربص بكل ظالم متجبر تجاوز الحد وابتلعه جبروتُه واستدرجته سطوته ليعتدي على الخلق ويتأله عليهم. تكمن هذه الخطورة في كون هذا العقاب الإلهي يجمع بين ذهاب هيبة الدنيا وعُزوتها وبين الحرمان الكامل من عفو الله ورحمة وإيصاد باب التوبة إليه في الدنيا ثم العذاب الشديد المُقيم في الآخرة.

إن جرأة الظالمين على انتهاك حقوق الناس وهدر حرياتهم واستمراءهم لذلك وتمالؤهم عليه هو، في ظاهره، دليل قوة وجبروت لكنه، في حقيقته، استدراج إلهي لاستحقاق العقاب الأعظم فعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، قال: ثم قرأ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102]” 7 .


[1] 1 سورة لقمان الآية 13\
[2] سورة النساء الآية 75/ 76\
[3] سورة إبراهيم الآية 42/43\
[4] المعجم الكبير للطبراني- ج 4 / ص 108 رقم الحديث 122\
[5] سورة يونس الآيتان: 88 / 89\
[6] سورة يونس الآيتان 90 / 91\
[7] حديث متفق عليه\