يتزامن انعقاد هذه الندوة مع مناسبة عزيزة، هي ذكرى 11 يناير التي قدمت فيها المقاومة الوطنية وثيقة الاستقلال. وها نحن بعد مرور أكثر من 70 سنة ما نزال نبحث عن وصفة لبناء دولة ديمقراطية. رحم الله الخطابي الذي كان يسمي ما حدث في المغرب سنة 1956 بـ”الاحتقلال” للدلالة على أن الاستقلال الحقيقي لم يتحقق بعد.

لا بد من هذه المقدمة التي أراها مدخلا أساسيا لمعالجة قضية الديمقراطية بالمغرب بسبب الترابط بين الاستقلال والديمقراطية، فلا يمكن لدولة أن تكون ديمقراطية بدون سيادة واستقلالية، ولذلك لا بد من ربط النضال من أجل الديمقراطية بالنضال من أجل التحرر من كل هيمنة خارجية لكل قوى الاستكبار العالمي التي تجاوبت مع مطالب الحركة الوطنية والتحررية في حدها الأدنى مانحة هذه الدول استقلالا صوريا مع البقاء على التبعية الثقافية والحضارية والاقتصادية والسياسية، كما يلزم التحرر من التبعية لكل عامل خارجي إقليمي، والمقصود طبعا هذه الأنظمة المستبدة المتحكمة بأموالها ونفطها و…. هذه واجهة نضالية يجب عدم إغفالها لأن نتيجة ذلك هي إنشاء دول ضعيفة وعاجزة وتابعة وقابلة للاختراق بسهولة.

من جهة ثالثة ما نزال نرزح تحت ظل نظام استبدادي يتطور من حيث الشكل فقط ليخفف من مظاهر التسلط والاستبداد مع الإبقاء على جوهر التحكم وإفراغ الخيار الديمقراطي من كل مضمونه بما هو سيادة للشعب، وربط لممارسة السلطة بالخضوع للمحاسبة، وتداول على السلطة من خلال انتخابات دورية منتظمة نزيهة وشفافة، واحترام للحريات وحقوق الإنسان، وضمان تعددية سياسية حقيقية. وربما تعلم هذا النظام المخزني، وأفضل تسميته بهذا الاسم للتأكيد على فرادته واختلافه عن غيره من الأنظمة، بحكم طول تحكمه، التأقلم مع المستجدات والالتفاف على مطالب الشعب وقواه الحية وضمان استمراريته بتغيير أدواته وطريقة اشتغاله وأشخاصه دون تغيير جوهره الاستبدادي.

وهذا لا يعني البتة أنه نظام قوي ولكنه يستمد استمراريته من ضعف معارضيه وتشتتهم وإتقانه استغلال تناقضاتهم وضرب بعضهم ببعض، ولا أحتاج هنا التذكير بالوقائع الكثيرة التي طبعت حياتنا السياسية في الستينيات والسبعينيات وهلم جرا إلى يومنا هذا، كما لا أحتاج التذكير بأن المناسبة الوحيدة التي عرفت زخما نضاليا شعبيا هي احتجاجات 2011 التي قادتها حركة 20 فبراير والتي استطاعت صهر نضالات قوى مختلفة فكريا وإيديولوجيا وسياسيا في شكل تنظيمي واحد بناء على قاعدة ما يوحدها ميدانيا وموضوعيا. وهذه مناسبة لأبرز الحاجة إلى إعادة فتح النقاش العمومي حول هذه التجربة الغنية والفريدة قصد التقييم والتقويم واستخلاص خلاصات تكون منطلقات لعمل نضالي مشترك على قاعدة برنامج حد أدنى موحد لكل القوى التي لها مصلحة في مناهضة الفساد والاستبداد. هذا أمر هام وذو أولوية قصوى، وكل وقت يمر دون فتح هذا الورش يعد هدرا للوقت والجهد ومنح فرصة لقوى الفساد والاستبداد لإعادة رص صفها وتجديد ذاتها.

طريقنا إلى بناء الدولة الديمقراطية مرتبط بشكل وثيق بتغيير ميزان القوى في مشهدنا السياسي، وبوابة هذا الهدف هي بناء تكتل سياسي مجتمعي يستقطب كل القوى المعارضة للمخزن واستراتيجياته وسياساته ومنهجيته.. ولن يتم هذا الأمر بشكل فعال إلا إن نجحنا في تقسيم هذا المشهد السياسي إلى فريقين فقط وليس أكثر لأن في كل قسمة زائدة عن فسطاطين تقوية للمخزن الذي ينتعش وسط هذا الخلاف والتعدد المرضي للتكتلات. وهذا يحتاج منا إعادة فرز الساحة السياسية على معيار القرب أو البعد من المخزن فقط، وهذا في مرحلة أولى أمر حاسم لتقوية كفة التكتل المناهض للفساد والاستبداد.

أولوية هذا التكتل هي النجاح في إيجاد مطالب جامعة وتسطير برنامج نضالي متوافق عليه، وبموازاة ذلك يَفتح النقاشَ بين مكوناته حول آفاقها وتنظيم العلاقة بينها والضمانات الوقائية من العودة للاستبداد وسبل إعادة الثقة المفقودة بينها.

ستكون المحصلة زخما نضاليا ميدانيا، سواء حول قضايا قطاعية أو جغرافية أو فئوية أو عامة، من شأنه إحداث تقارب وإحياء أجواء الثقة وخلق مناخ للتعاون يعضد هذا التكتل ويقوي وشائج العلاقة بين مكوناته. وستفرز هذه النقاشات كذلك ميثاقا جامعا هو بمثابة إعلان مبادئ أو العهد أو العقد الذي من شأنه أن يشكل المبادئ التأسيسية/ فوق دستورية التي تضمن بناء للدولة الديمقراطية على أسس صلبة يمكن احترامها والانضباط لها من التأسيس لدستور ديمقراطي شكلا ومضمونا ومصادقة ولحياة سياسية سليمة تحترم الآليات ايمقراطية في تدبير الاختلاف ليكون عامل قوة وإثراء وتنوع.

إنهما مساران متلازمان غير منفصلين لأن تجارب الحكم التي أفرزها الربيع العربي منذ 2011 بينت أنه ليس كافيا أن نتفق على ما لا نريد، وهو الفساد والاستبداد، ولكن الأهم من ذلك هو أن نتفق على ما نريد، والمقصود طبعا شكل الدولة والنظام والدستور والمؤسسات والعلاقات.

يلزمنا، قبل كل شيء، للنجاح في هذا الورش توفر كل مكونات هذا التكتل على استقلالية قرارها السياسي عن أي تأثير أو تبعية داخلية أو خارجية أو إخضاع قضايا الوطن لحسابات قوى خارجية أو ترتيب أجندة الداخل بناء على ترتيبات أجنبية. هذه من خلاصات الربيع العربي، بل ينبغي على قوى هذا التكتل أن لا تعول إلا على قوة الجبهة الداخلية ووحدتها وتماسكها.

ويلزمنا بعد ذلك، للنجاح في هذا الورش بمختلف مجالاته، أن لا نخلط بين المراحل، وهنا أرى لزاما التمييز بين مراحل ثلاث لكل واحدة منها مقتضياتها:

مرحلة التغيير: وهذه مقتضاها العمل المشترك، وتناسي الخلافات مع مناقشتها والبحث عن صيغ لتدبيرها، والتركيز على مناهضة الفساد والاستبداد، وتوسيع قاعدة الجبهة بمكونات فاعلة ومختلف شرائح المجتمع حتى تصبح حركة مجتمعية قولا وفعلا. ولذلك يستحسن خلال هذه المرحلة تصنيف الفاعلين على أساس معياري يتمثل في القرب أو البعد أو القطيعة مع النظام السياسي القائم، مع الحرص على “تحييد” بعض القوى التي لم تضع كل إمكانياتها في خدمة المخزن. وهذا أمر في غاية الأهمية لإضعاف جبهته وتغيير ميزان القوى.

مرحلة التأسيس: وهذه مقتضاها التوافق لبناء الأسس والركائز والمبادئ لدولة مخالفة للسابقة، والبوابة هي حوار وطني عمومي مفتوح على مرأى ومسمع من الشعب الذي هو صاحب السيادة في الاختيارات الكلية والتفصيلية. وأقصد بالاختيارات الكلية تلك التي تحسم من خلال استفتاء شعبي، وبالاختيارات التفصيلية تلك المرتبطة بالبرامج والتي تحسم من خلال الانتخابات. شرط نجاح هذا الحوار الوطني أن يكون مفتوحا على كل المواضيع بدون خطوط حمراء، وعلى كل المكونات بدون إقصاء، وعلى كل الاحتمالات بدون مصادرة للنتائج، وأن تتحقق ضمانة الحرية للجميع للتعبير عن رأيه ومقاربته.. وستكون الحصيلة ميثاق تأسيسي ومرجعي. لن تنجح هذه المقاربة إن لم يتحقق شرط النضج السياسي في المشاركين فيها، وشرط تغليب المصلحة العامة، وشرط الإرادة التوافقية لبناء دولة موحدة ومجتمع متنوع، وشرط المشاركة الشعبية الواسعة لأن المجتمع حول الحامي الأول والأخير للخيار الديمقراطي.

نحتاج خلال هذه المرحلة التأسيسية بالموازاة مع ما سبق إلى تدبير المرحلة الانتقالية بالتوافق من خلال ائتلاف وطني للتخفيف من الآثار السلبية لمخلفات الفساد والاستبداد ولأن هذه التركة أكبر من أن يتصدى لها طرف أو مكون واحد مهما كانت قوته.. كما نحتاج إلى هذا التدبير الائتلافي لتهييء جماعي للمرحلة التي تليها.

مرحلة البناء: ومقتضاها التنافس السياسي، وهنا نحتاج إلى الاستفادة من الاختلافات بين المكونات المجتمعية وترجمتها إلى برامج متنافسة تسارع إلى إبداع حلول وسياسات عمومية وتتسابق لنيل رضى الشعب صاحب السيادة. والتنافس يتم دائما على قاعدة ما اتفق عليه في المرحلة السابقة بدون انقلاب أو التفاف.

إن الخلط بين المراحل من شأنه أن يضعف الجبهة المناهضة للفساد والاستبداد وتغليب منطق التنافس والتضخيم من الاختلافات وإثارة بعض النقاشات خلال هذه المرحلة غير مفيد لحركة التغيير، والأولى هو التمييز بين المجال النضالي الميداني التي يتطلب منا التضحية والتوافق وتوسيع التكتل وبين المجال الحواري الذي يتطلب منا صبرا وطول نفس واستيعاب أن الوصول إلى رؤى متقاربة أو متوافقة حول قضايا معينة يتطلب نقاشا ووقتا طويلا، ولكنه يسهل كلما كان الزخم النضالي أقوى ومتقدما. ولنا عبرة في التجربتين المصرية والتونسية.

نحتاج كذلك إلى بذل مجهود كبير لتجاوز مخلفات عقود من الصراع السياسي الذي خلف انكسارات سيكولوجية وسياسية وفكرية غدتها التعبئة المخزنية. وهذا ورش يجب عدم الاستهانة به لأنه مهم لإيجاد أجيال جديدة غير متأثرة بهذا الماضي ولكنها تستفيد من أخطائه وتستحضر فقط الآفاق المستقبلية.

وفي الأخير، هناك قضايا كثيرة لا بد من مناقشتها بشكل عميق وتفصيلي قصد فهم بعضنا البعض واستخلاص خلاصات تكون منطلقات بنائية، ومن هذه القضايا:

1- شكل الدولة: بمناقشة معنى الدولة المدنية ومقتضياتها؛

2- الفضاء العام والخاص: وهنا لا بد من الحديث عن مكانة الدين في الفضاء العام، وهذا يستلزم ضرورة مناقشة العلمانية والعلاقة بين الدين والسياسة وحدود الفصل والتمييز والتداخل؛

3- شكل النظام السياسي: من خلال مناقشة طبيعة النظام السياسي الأفضل؛

4- المرجعية: من خلال بحث العلاقة بين المرجعية الإسلامية وما يعبر عنه البعض ب”المرجعية الكونية”. ويستلزم منا هذا النظر في طبيعة المرجعية الإسلامية وماهيتها، والمرجعية الكونية وماهيتها وحدودها ومدى كونيتها، وكذلك العلاقة التراتيبة بينهما؛

5- الحريات والحقوق: من خلال نقاش سبل ضمان ممارسة الحريات وحماية الحقوق، وأقصد هنا كل الحريات عامة وخاصة طبعا؛

6- التداول على السلطة: من خلال تحديد ضمانات تحقيق تداول سلمي على السلطة.

هذه بعض القضايا التي أراها ملحة لإخضاعها لنقاش عمومي، وقد آثرت عدم الإدلاء فيها الآن برأي تجنبا للتسرع والسطحية وفتحا للباب لإضافة قضايا أخرى يراها البعض ملحة وضرورية. وأعتبر أن هذه المنهجية هي الكفيلة بتجنب النقاشات العامة والسطحية والغوغائية والمتشنجة، وهي الكفيلة بتجزيء الموضوع العام وطرحه لنقاش دقيق وعميق يمكن أن يفضي إلى نتيجة جامعة.

وفي المجال النضالي، هناك قضايا كثيرة لابد من مناقشتها من قبيل:

1- تجربة حركة 20 فبراير: التقييم والتقويم، وأسباب الفشل أو النجاح، والمتسبب فيه، والقدرة التعبوية للحركة وسط الفئات الشعبية؛

2- التصدي للخروقات المخزنية في المجال الحقوقي: كيفية تنظيم وتوحيد العمل الحقوقي؛

3- العمل المشترك في قضايا العدالة الاجتماعية: والمقصود هنا الحضور الميداني اليومي إلى جانب الفئات المستضعفة للتخفيف من حدة الفوارق الاجتماعية وفضح المفسدين والتصدي لهم؛

4- العمل السياسي المشترك: والمقصود طبعا إنجاز مبادرة سياسية لبناء تكتل سياسي موحد، وهذا يستلزم منا طبعا التخلص من المقاربات الفئوية، وأستحضر هنا مثالا حيا هو تعطيل بعض قوى اليسار لهذه الدينامية من خلال تركيزها على وحدة اليسار أولا وكأنها شرط يلزم من عدمه عدم قيام جبهة موسعة.

بهذا المسار نكون نجحنا في وضع خارطة طريق لبناء الدولة الديمقراطية التي نطمح جميعا إلى العيش فيها بإرادة مشتركة وفي ظل احترام متبادل وتنوع مغني للبلاد، وقد ضحينا جميعا من أجل هذا الهدف، وهذه مناسبة لنستحضر أرواح كل الشهداء الذين نعتبر أنفسنا امتدادا لهم ونتحمل أمانة الوفاء لأرواحهم بالبقاء على نفس النهج دون تحريف أو خذلان.