لم يفاجئ الكنيست الصهيوني أحدا بإقراره مشروع قانون يعاقب قاذفي الحجارة من الفلسطينيين بالسجن من 5 سنوات إلى 20 سنة، مشددا بذلك من إجراءاته الردعية تجاههم والتي كانت تقتصر في أسوء الأحوال على أحكام لا تتعدى أشهرا لتتطور تبعا للقانون الجديد إلى هاته الأحكام القاسية جدا.

هذا التصعيد مفهوم ومتوقع ويندرج ضمن سلسلة من الإجراءات التي يصر مسؤولو الكيان على تفعيلها بوتيرة متسارعة، وقد باتوا يتنافسون فيما بينهم على التفنن في إظهار عدوانيتهم والتمادي في استفزاز المجتمع الفلسطيني لقاء إشباع نزعات الجمهور الصهيوني العنصرية. كل هذا في وقت لا نجد فيه أي رد فعل يتناسب مع مستوى الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة التي وجدت المناخ المحلي والإقليمي المناسب لتزداد وتتغول.

في هذا الإطار كان طبيعيا أن يتصدى العدو الصهيوني لمن يلقي الحجارة على مصالحه وأن يشدد العقوبة عليه، فلهذا الموضوع بالذات مغزى ودلالات عميقة تجعله يمضي في تصفية حسابات قديمة مع الحجارة ومحاكمتها بسبب الأثر البليغ الذي خلفته لدى الكيان الصهيوني وصورته في العالم.

ما يمكن قوله أن كفاح الحجارة قد طبع النضال الفلسطيني بطابع مميز وأكسب القضية الفلسطينية جاذبية ونقاط قوة لم تعرفها من قبل، فالفلسطيني ومن خلفه الأمة العربية والإسلامية قد جربوا طيلة عقود مع الكيان الصهيوني كل الوسائل وخاضوا ضده حروبا وحرضوا وشجبوا واستنكروا ولم يسجلوا بعد ذلك غير الإخفاق، وحتى حين أحس الفلسطيني بضرورة مسك زمام الأمر بنفسه، لما لمسه في بعض الأطراف العربية من جبن أو استغلال أو تآمر مباشر عليه، فقد ظل في دائرة التأثر المباشر والارتهان للواقع الخارجي وانتظار الفرج من خارج الحدود. هذا طبعا دون أن ننكر التضحيات الرائعة التي بذلت في كل تلك المحطات.

إلى أن جاءت سنة 1987 التي دشنت مرحلة جديدة من الكفاح شهدت فيه ذلك الاحتجاج الجماهيري العفوي الذي لم يجد غير الحجارة ليعبر عن مقاومته وتحديه للصلف الصهيوني وآلته الجبارة، مما فرض على الجميع التعامل معه ومجاراته حتى أصبح المتحكم في المشهد والمالك الحقيقي للقرار الفلسطيني لدرجة تجديد انتفاضة أطفال الحجارة للنخب وإحداثها تغييرات جذرية في الخارطة السياسية والمجتمعية الفلسطينية، وكذا مساهمتها في تحصين القضية الفلسطينية من المتربصين بها حتى لو كانوا من أبنائها متجاوزة مرحلة الانتظارية ومعيدة للداخل الفلسطيني قيمته ووهجه.

كما كان لها الدور الكبير في ترسيخ البعد الجماهيري في مواجهة الاحتلال الصهيوني، فقد عرفت انخراط جل شرائح المجتمع الفلسطيني في فعالياتها من أطفال وشبان ونساء وحتى شيوخ، وهو ما لم يكن يتوفر في السابق حين لم تكن تستوعب أشكال المقاومة السابقة، على أهميتها، قطاعات كبيرة من الشعب الفلسطيني والتي كانت تنحو بهم نحو شيء من التراخي والاتكالية.

وعلى الرغم من أن استعمال الحجارة لا قيمة مادية تذكر له، لكنه يبقى تعبيرا ساميا عن قوة الحق العزلاء المستندة إلى الإيمان والإيمان وحده مع إحساس عال بالمظلومية الذي كان يزيد من تأجيج الغضب لدى الفلسطينيين، ويكسبهم أيضا تعاطف أي حر كاشفا بطلان أية بروباغندا صهيونية. ويكفينا في هذا الصدد مشهد فارس عودة وهو يواجه الدبابة بحجارته فهو أبلغ من أي مقال.

على أن قيمة الحجارة تتجاوز كسب قلوب أحرار العالم، فالتعاطف لا يحل أزمة ولا يحرر أرضا، والمعول عليه بعد الله هو تلك الأرضية الشعبية الصلبة التي يخلقها هذا الفعل النضالي الراقي والذي يؤسس لحاضنة مجتمعية قوية تحمي ظهر المقاومة وتسهل عملية تطوير أشكالها كما حدث إبان الانتفاضتين المباركتين.

من هنا أيضا نفهم سر امتعاض الصهاينة من موضوع الحجارة، فحسب ما يروج إعلاميا فإن ظاهرة رشق الحجارة قد عادت وبدأت ترتفع وتيرتها، الشيء الذي جعل الاحتلال يدق ناقوس الخطر من جديد، لأنها تذكره بسيناريوهات مفزعة لم يقطع معها إلا بخسائر هائلة في صفوفه.

لذلك ولأنه يعي قبل غيره أن كل عوامل الاحتقان متوفرة لانفجار الأوضاع في وجهه، فقد حرص على القيام بضربات استباقية والتنبيه إلى كلفة أي عمل مقاوم مهما كان بسيطا كي يقطع الطريق على أي فعل جماهيري وشيك.

ما هو واضح أن هذه الإجراءات تظهر من حيث لا يشعر الكيانُ وَهَنَهُ وهَشَاشَتَهُ، فإذا كانت حجارة طفل تخيفه وتجعله يستنفر كل مؤسساته من أجل التصدي لها، فأي دولة دولته؟