إن النظام المغربي أو ما يصطلح عليه بالنظام “المخزني” الذي تعود نشأته إلى أواخر الدولة السعدية، تعرض لعدة تحديات وصراعات داخلية وخارجية، ونجى منها بفضل دهائه السياسي، وتجربته مع مثل هكذا مشاكل، وزاده الاستعمار مكرا وخداعا، وأضاف إليها أساليب جديدة جعلت المستعمر يخرج مرتاح البال، وصدق المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي حين وصف الاستقلال “بالاحتقلال” وهي كلمة مركبة جمعت بين الاحتلال والاستقلال، وقد لخص لنا المفكر الإسلامي علي شريعتي كل شيء بقوله واصفا الاستعمار بأنه “استحمار” أو الاستحمار السياسي، والذي اتخذ عدة أشكال بعد خروج المستعمر.

الاستحمار إن صح التعبير صار بعد “الاحتقلال” استراتيجية لإلهاء الشعوب، فالنظام المخزني المغربي أكد لنا أنا ما لا يطبق “دفعة واحدة” يمكن تطبيقه “عبر التدرج”، فهو كان ولا يزال يسير بنا إلى ما يريد، وإلى ما يحافظ على مكانه، ويرضي أسياده من دول الاستكبار العالمي، لا إلى ما يريده الشعب المغربي، ولا إلى ما يريده الله عز وجل.

ولكي يحصل له ما يريد لابد له من نهج أساليب ماكرة ومتعددة، من هذه الأساليب أسلوب التدرج، ولا شك أن كل منا يعرف التدرج، ربما نعرفه من خلال نزول القرآن والتشريعات التي يحملها والتي جاءت متدرجة.

من الحكم الربانية في التدرج في التشريع، هي أن تعتاد النفس البشرية شيئا فشيئا على التشريع الجديد، إلى أن يأتي التحريم بعد أن تكون النفس قد اعتادت ذلك وصارت تنتظر التحريم بفارغ الصبر (تحريم الخمر) مثلا.

النظام المخزني ينهج سياسة التدرج في التشريع، لكن بالاتجاه المعاكس، بالاتجاه الذي يحافظ على مكانه ويلائم رغبات الغرب، ينهج بالضبط سياسة التدرج في التطبيع.

ذكر المفكر الأمريكي نوعوم تشومسكي هذه السياسة أو هذه الاستراتيجية (استراتيجية التدرج) ضمن الاستراتيجيات العشر لإلهاء الشعوب.

يقول تشومسكي: لكي يتم قبول إجراء غير مقبول، يكفي أن يتم تطبيقه بصفة تدريجية، مثل أطياف اللون الواحد (من الفاتح إلى الغامق)، على فترة تدوم 10 سنوات.)و قد تم اعتماد هذه الطريقة لفرض الظروف السسيو اقتصادية الجديدة بين الثمانينات والتسعينات من القرن السابق: بطالة شاملة، هشاشة، مرونة، تعاقد خارجي، رواتب لا تضمن العيش الكريم، وهي تغييرات كانت ستؤدي إلى ثورة لو تم تطبيقها دفعة واحدة)

استراتيجية فعالة! لأن من تطبق عليه قد يغفل عن التحليل السياسي المعمق، ويكتفي بالنظر إلى الأمور بظاهرها والذي لا يكفي لمعرفة المقصود منها غالبا.

أذناب النظام لهم دور كبير في هذه الاستراتيجية، فلهم دور الترغيب، أو الترهيب “المؤقت”، وأمثلة ذلك كثيرة في الفترة الأخيرة، وخرجاتهم تكون دورية، أي عند كل حدث من هذا النوع سواء على المدى القريب أو المتوسط.

مثال ذلك: الصرخات التي تطعن في الدين تارة، وفي الثوابت والقيم التاريخية التي يتميز بها الشعب المغربي، وفي القوانين الدستورية التي ما فتئت هذه “الصرخات” تنادي بتغييرات في هذه القوانين.

ويبقى كل شيء منتظر من نظام حكم جبري جمع صفة الحكم العضوض، و من نظام جمع سمات الظلم الأعظم، وجسد الظلم الأعتم.

في الختام يبقى التساؤل مفتوحا ما الهدف القادم، هل في تطبيع الخروقات الحقوقية، والاعتداءات المتكررة في حق الشعب المغربي مثلا ؟!