الخبر القنبلة

في وسائل الإعلام العالمية والعربية الدائرة في فلكه لا خبر يستطيع منافسة خبر “الاتفاق التاريخي” الذي عقده الغرب مع إيران حول برنامجها النووي، ومن ورائه تفاهمات سياسية واقتصادية وما الله وشياطين كواليس الاتفاق به أعلم.

ما ذكرته سابقا له دلالة على أهمية الحدث الذي تريده الدول الكبرى أن يطغى في إمبراطوريات الإعلام العالمي ويسود على باقي الأحداث.

إذا كان الغرب بشقيه الروسي والأمريكي يرى في الاتفاق نقطة تحول تاريخية، وينتشي بهذا الانجاز الذي خطط له منذ عقود، فإن في وطننا العربي الذي هو ساحة المعارك بالوكالة هناك موقفان متباينان:

الموقف الأول: موقف الشامتين في الأنظمة العربية عموما والخليجية خصوصا، وهو موقف الترحيب والانتشاء بالاتفاقية بدون تحفظ، وحتى بدون معرفة مضمونها، فقط نكاية في دول الخليج، وانتصارا لإيران التي تقاتل “الإرهاب” في لبنان، وسوريا، واليمن، والعراق. إيران التي ترفع شعار: الموت لأمريكا ولا يتساقط بأسلحتها وبراميلها إلا السوريين والعراقيين واليمنيين. وهذا طبيعي مادام “الطريق إلى القدس لا يمر إلا عبر الزبداني والقلمون ودمشق وعدن والأنبار والفلوجة..”، إذن فهم متفهمون أن الأمر سيطول قبل أن نرى صواريخ إيران فوق تل أبيب، كما تفهموا من قبل وقوف إيران وراء شنق بطلهم القومي صدام حسين، والذي ارتكب خطأ استراتيجيا لن ترتكبه إيران التي تحارب بالوكالة في كل مكان بأن رمى تل أبيب أولا قبل مكة.

هذا الصنف ما زال يطربه تبادل الأدوار في التصريحات الماكرة بين أوباما ونتنياهو، وتسليه الشعارات القوية رغم كشف الربيع العربي لزيفها وأنها مجرد مزايدات.

الموقف الثاني: هو موقف يناقض موقف الصنف السالف الذكر، بل هو ردة فعل عليه. وهو لسان حال الدائرين في فلك المملكة العربية السعودية التي تتجرع بمرارة وصمت إضافة ضرة جديدة لبيت “الخليج الأمريكي” واقعا، العربي جغرافية، الفارسي مطمحا.

هؤلاء هم من يحاول جاهدا استثمار الاستقطاب الحاد بين الشيعة والسنة لتحسين الوضعية عند الحليف والراعي الأمريكي.

مقارنة بسيطة تجعل المتتبع يلاحظ تخبط الطرفين وتزعزع موقفيهما من قضيتي الشرعية والثورة. فإيران تدعي أنها تناصر ثورة اليمنيين وتعيب على السعودية تدخلها المباشر، بينما هي في سوريا تحارب الثورة الشعبية بكل وسيلة وحيلة. أما السعودية فتدعي حماية الشرعية في اليمن بينما هي الراعي الأساسي للانقلاب العسكري الدموي المصري على الشرعية التي تمثلت في مرسي، أول رئيس مصري منتخب.

أسباب إبرام الاتفاق النووي بين طهران والدول الكبرى

إن الظرفية التاريخية الدقيقة التي تمر منها المنطقة العربية والعالم، والأحداث المتسارعة والعميقة التي فجرها الربيع العربي أخلطت أوراق الجميع، وجعلت مصالح العديد من الأعداء والخصوم تتقاطع، فكان لازما على المعنيين بالأمر عقد هذه الاتفاقية الشاملة قبل أن تتجاوزهم الأحداث.

هي أسباب عديدة ومتداخل بعضها مع بعض ومتشابك معه، من أهمها:

1 ـ عجز الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها عن ضبط إيقاع التحولات السياسية بالمنطقة بالاعتماد على الفاعلين التقليديين فقط. فوجب إضافة فاعلين جددا وعلى رأسهم إيران.

2 ـ عجز “إسرائيل” عن خوض حرب جديدة مع حماس بعد الخلخلة الكبيرة التي أحدثتها المعركة الأخيرة المسماة “العصف المأكول”، والتي كانت نتائجها كارثية على “إسرائيل” على المدى المتوسط. فقد كشفت هذه الحرب عن وجهها الإجرامي أمام الرأي العالمي، والأوروبي خصوصا، والذي بدأ يتململ بعد صور بشاعة قتل المدنيين. كما أيقنت “إسرائيل” عن عجزها التام لإخضاع حماس أو النيل من شوكة كتائب القسام التي أدارت المعركة بكل فاعلية. والأخطر أن هذه المعركة أضعفت ثقة الإسرائيلي في جيشه الذي أصبح يُقهر ويُمرغ أنفُه في تراب غزة.

وإذا استحضرنا الظرفية التاريخية المعاكسة التي خاضت فيها غزة معركة مصيرية مع الكيان الصهيوني، وحجم الهجمة الشرسة لإسرائيل بتأييد تام من مصر والملك الراحل عبد الله السعودي يتبين مدى صمود غزة واستعصاؤها التام.

من هنا وجب احتواء خطورة حماس وإدماجها عبر هدنة طويلة الأمد مع “إسرائيل” وبالتالي فإبرام الاتفاقية مع إيران يسهل هذا الهدف ويفتل في حبله.

3 ـ إيران التي أنهكها التدخل في سوريا والعراق واليمن، ماديا ومعنويا، سياسيا وعسكريا، داخليا وخارجيا، أصبحت مهيأة لتجرع “كأس السم” بتعبير الإمام الخميني مرة أخرى، والقبول بالأمر الواقع والتوقيع اليوم على ما كانت ترفضه بالأمس، خصوصا وهي ترى انحسار مشروعها والضربات التي يتلقاها هنا وهناك.

4 ـ بزوغ تركيا كقوة إقليمية طموحة تمد بصرها السياسي والاقتصادي عبر تاريخها الامبراطوري من خلال تحالفات جديدة تسعى لها سعيا عن طريق التصاقها بالإسلام السياسي في الدول العربية والإسلامية مستشرفة مخرجات الفعل الديموقراطي، اليوم وغدا، في هذه البلدان السنية. وبالتالي فإدماج إيران يعتبر بالنسبة للأمريكان ضابط توازن بالمنطقة، وهي التي ستبقى تتأرجح بين أقلية شيعية قوية وفاعلة والتي ستملأ الفراغ الذي تركته الأقلية المسيحية وأمثالها، وبين أغلبية سنية قادمة بقوة.

5 ـ المخاض القوي الذي تترنح بسببه الشعوب العربية منذ انطلاق الربيع العربي. إنه إبان مولود امتلاك الإرادة والسعي نحو تعبيرات امتلاك القرار السياسي والاقتصادي بعيدا عن هيمنة الدول الغربية ووكلائها بالمنطقة. هذا المولود تمظهر في شكلين: الاسلام السياسي السلمي عبر صناديق الاقتراع حين يرفع الغربُ يده عن الاستبداد الذي يرعاه فينا، أما حين يتمسك هذا الغرب بدعم مستبديه رغما على الإرادة الشعبية المتنامية فإن جزءا من الشعوب تلجأ إلى الاسلام الجهادي الذي يتطور ويتخذ أشكالا أكثر فاعلية وحدة ابتداء من القاعدة إلى تنظيم الدولة الاسلامية مرورا بجبهة النصرة وأنصار الشريعة وأخواتها.

والمتتبع يرى جليا أن إيران أصبح من أولوياتها الحرب على الإرهاب كما تعرفه أمريكا بدل الحرب على إسرائيل و”الشيطان الأكبر” الذي أصبح مجرد ذكرى مع الإمام الخميني.

خلاصة

اتفاقية “كامب ديفد” أدمجت “إسرائيل” بطريقة أو بأخرى في النظام الرسمي العربي الإقليمي، رغم شعارات التعمية الممانعة الفارغة من كل مضمون. أيضا انفجار الربيع العربي ومآلاته، وظهور الإسلام السياسي والجهادي بقوة وبتعابير شتى سرع من إدماج إيران في النظام السالف الذكر.