منذ تأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس في أواخر الثمانينات والنقاش لم يخبو حولها وحول هويتها وولاءاتها الخارجية، وإن اتصف هذه المرة بالحدة والعدوانية الناجمة عن الانقسام الداخلي غير المسبوق والتحولات الإقليمية والدولية المعقدة التي زادت في شراسة الحملات الدعائية بحقها، حتى تطورت في السنوات القليلة الماضية من مناكفات محلية إلى تصفية حسابات واسعة بين الحركة وكل من لديه مشكلة مع التيار الإسلامي، لا سيما منه ذاك الذي يحمل صبغة إخوانية، في تناغم واضح بين جل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية الطامحة من خلال تحريضها السافر على الحركة إلى عزلها وشطبها نهائيا من المشهد الفلسطيني.

هذه الحرب على الحركة لم تأت من فراغ ولها ما يسندها من مبررات تدفع خصومها إلى التمادي فيها إلى أبعد مستوى، فحركة حماس بحكم تموقعها المتقدم والمتصدر في المواجهة مع الكيان الصهيوني، تظل في دائرة الاستهداف من سلطة رام الله وحواشيها والتي تجاهر بمناقضتها لأية فكرة تحررية ممانعة. ولأن للمقاومة جاذبية وبريق يفتقده القوم بسبب انبطاحهم وكساد بضاعتهم، فهذا يجرّ على حماس من الغيرة والعداء المَرَضِي ما يجعلهم يستغرقون في اتهامات ومزايدات تصل حد شيطنة الحركة، وذلك لتبخيس أدائها وتنفير الناس منها ومن التعاطف معها.

وعلى الرغم من هذا فإن إنكار بلاءها في المقاومة ومقارعة العدو الصهيوني أمر صعب هضمه وإن حاولوا، وهم يعلمون ذلك على كل حال، الشيء الذي يدفعهم إلى اختصار المسافات واللجوء إلى الضرب تحت الحزام بالقفز إلى رميها بالخيانة والتشكيك في وطنيتها وتأليب الشعب الفلسطيني عليها، فما من تهمة أفدح من تهمة الخيانة وخدمة جهات خارجية، ذلك أن أية تضحيات مهما عظمت تصبح قاعا صفصفا إن ثبت على الطرف المضحي تهمة الارتهان لمشاريع غير وطنية.

والأسوأ مما سبق أن رمي حماس بالولاء لجهات خارجية هو عمليا استدعاء لقوى خارجية أخرى مضادة لها والاستقواء بها على فصيل عجزوا عن منافسته، فحين يقوم البعض الفلسطيني بترديد الاتهامات نفسها التي تروجها أطراف لا ترقب في الشعب الفلسطيني إلا ولا ذمة، فهم بذلك يوفرون لها غطاء داخليا ويضفون شرعية على تدخلها في الشأن الفلسطيني، مما يؤثر على حصانة المجتمع ويزيد في الشرخ الداخلي ناسفا أي أمل بأي انفراج في ملف المصالحة الوطنية. التشكيك في ولاء حماس للمشروع الوطني الفلسطيني كما قلنا آنفا ليس جديدا، وقد ابتدأ منذ صعود نجمها إبان الانتفاضة الأولى، ورغم ما قدمته حماس في تلك الفترة، فقد نُظِرَ إليها في حينه من طرف قدماء المناضلين في منظمة التحرير الفلسطينية على أنها كيان دخيل عليهم، وكان لعقدة الأجيال كبير الأثر في تفسير هذا الأمر وفي ترسيخ هذه الصورة، فالنخبة التي شاخت من فتح ومن معها لم تستطع التخلص إلى الآن من العقلية الأبوية والاحتكارية ومن الوصاية على الشعب الفلسطيني، كما أن منطق الأستاذية وذاك الاستعلاء الموهوم الذي يصيب التيارات العلمانية تجاه نظيرتها الإسلامية ساهم بدوره في رفض حماس أو في أحسن الأحوال عدم الارتياح إليها والانتقاص من قدرها.

وهذا ما ظهر جليا في الاتهامات السائدة حول ارتباطات حماس الخارجية، فكلما انفتحت الحركة على جهة عربية أو إسلامية معينة إلا وتم النيل منها وقصفها هي ومعها تلك الجهة، أما هم فلا عتاب عليهم ولا ملام وخياراتهم لا يعدمون لها المبررات والمسوغات حتى وإن تقلبوا من النقيض إلى النقيض، حتى لو طبعوا مع نفس الجهة التي سبق لحماس التعامل معها والتي كالوا لها الاتهام وراء الآخر في السابق مستغلين قصر ذاكرة الكثيرين.

فبعد أن كانوا يتهمون حماس بالعلاقة مع أطراف خليجية ها هم اليوم يرتمون في أحضانها، وقد تحولت تلك الأطراف بقدرة قادر من ممثل للرجعية العربية ورمز للخيانة والغدر إلى دول شقيقة مأمونة الجانب، وبعد أن ربطوا علاقات مع إيران فيما مضى، ولم يجدوا في ذلك أي غضاضة يكتشفون حاليا أنها طائفية وفارسية وذات مشاريع توسعية، أما قطر فمرة ينخرطون في حملات هجاء واسعة ضدها ومرة يهادنونها وذلك حسب مصالحهم وأهوائهم. وهكذا لا يستقرون على حال ولا يقر لهم قرار، وقد صار تلاعبهم هذا مكشوفا وأضحت تناقضاتهم مفضوحة.

لا يقف الأمر هنا فقط، فالتمييز بادٍ حتى على مستوى المصطلحات والترويج الإعلامي لها، حيث درجوا مثلا على توصيف أنفسهم بالفصائل الوطنية ونعت حماس والجهاد الإسلامي بمرجعيتهم في إيحاء ضمني إلى ارتباط الوطنية بهم حصرا وإلى أن البعد الإسلامي يتعارض مع الوطني، وكأن الفصائل الإسلامية قد جاءت من المريخ وليست متجذرة في التربة الفلسطينية أكثر منهم.

ولعلنا بحاجة إلى التذكير بدور التيار الإسلامي الكبير في بعث الروح في القضية من جديد بعد سنوات من الترهل والضياع، وقد كان له الدور الحاسم في التصدي لمشاريع السمسرة والمساومة في الحقوق وإمداد الصراع بعناصر قوت الجانب الفلسطيني وصالحت الحركة الوطنية مع تاريخ بلدها وهوية مجتمعها وبتضحيات عز نظيرها.

غير أن البعض وإن لم يعترض على ما سبق فإنه يظل متشككا من إسلامية الحركة ومن امتداداتها الخارجية، وما قد يؤدي بها ذلك من ارتهان لأجندات خارجية تضر بمصلحة القضية حسب رأيه، وهذا خلط بَيّن وكلام يناقض منطق الأشياء، لأن دائرة الانتماء الوطني لا تنفي دوائر أخرى وليس مطلوبا من أي تكتل بشري أن يتجرد من تلك الدوائر حتى يصير وطنيا حقا، وإن حرص على ذلك فهو بكل تأكيد شوفيني وضيق الأفق، كما أن التجربة الحركية الفلسطينية تؤكد أن حماس لم تأت بجديد حين تبنت أفكارا عابرة للحدود، وقد سبقتها إلى ذلك كل الفصائل الفلسطينية من قوى يسارية وقومية، بل حتى فتح التي تدعي حرصها على القرار الوطني المستقل لم تشذ عن هذه القاعدة، وقد كانت من أكثر الأطراف الفلسطينية تورطا في معارك خارجية بعيدة تماما عن جوهر الصراع مع الكيان الغاصب.

أما حماس فقد حرصت، رغم بعدها الإسلامي، على أن تجنب نفسها المطبات التي وقعت فيها فتح وغيرها والتي أضرت بمصلحة الشعب الفلسطيني أيما ضرر، وقد كانت منفتحة وما تزال على جميع الأطراف العربية والإسلامية رافضة التدخل في شؤون بلدانهم حتى لو أدى ذلك إلى تباين في وجهات نظر بينها وبين أطراف محسوبة على تيار الإخوان المسلمين في عدد من القضايا، كقضية العلاقات مع إيران وحزب الله التي لم تكن ترضي تنظيمات إخوانية ذات تماس مباشر مع هذه الأطراف، الشيء الذي يدحض عمليا فكرة التبعية ويزكي استقلالية الحركة عن أية مؤثرات أجنبية.

لكنها رغم ذلك عانت من معاداة عدد من القوى الإقليمية لها ومن التآمر المباشر عليها من طرفهم، ومع ذلك لم يثبت أن ردت حماس على كل إساءاتهم ولو إعلاميا فضلا عن أن تنخرط في مخططات للاعتداء على بلدانهم. وما يزكي هذا الأمر هو أنه حتى لو اجتهد البعض في تشويه الحركة ومحاولة إثبات نشاطها خارج الساحة الفلسطينية، فإن كل تلك السيناريوهات المفبركة من طرفهم تبدو سخيفة ورديئة الإخراج ولا تبعث إلا على السخرية والتهكم.

ما ينبغي أن يدركه من ينال من حماس ويشكك في ولائها لوطنها أنها لو كانت جماعة وظيفية تنفذ مشاريع الآخرين حقا، لما استطاعت أن تتجذر في البيئة الفلسطينية، ولما تمتعت بحاضنة مجتمعية قوية ولما تحملت كل الضربات القاسية التي واجهتها طوال مسيرتها.