مفارقة

أن تنتهك الحرمات ويُجهر بالمنكرات باسم “الفن” حداثة وتسويق لصورة مغرب الثقافات للخارج.

أن يُجهر بإفطار رمضان وفي الساحات العامة، ووقت الذروة، وأن يخدش الحياء العام للمجتمع من خلال ملابس تعري أكثر ما تستر حرية فردية تنافح عنها المواثيق والقيم “الكونية”، ولها من يناصرها.

أن تُقصد المساجد بيوت الله قصد الاعتكاف في العشر الخواتم من شهر رمضان تسييس للدين وسعي لإثارة الفتن وتوفير ملاذات للتطرف.

لك الله يا إسلام في بلد مسلم يزهو برعاية الإسلام في إفريقيا ويوزع فيها المصاحف تزامنا مع مهرجان انتهك حرمة البيوت وأتى على ما بقي من حياء وحس حضاري!..

البينة على من ادعــى

ردا على شجب جماعة العدل والإحسان إقدام السلطات المغربية على منع إقامة الاعتكاف في المساجد، وبالنظر إلى حجم تفاعل الإعلام الوطني والعربي والدولي مع هذا القرار، صرح السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أن الاعتكاف غير ممنوع منبها أن الاعتكاف لا يجب أن يكون لشيء آخر.

في مثل هذه النوازل لا يُكتفى برد محتشم فضفاض على هامش الأحداث، بل يُرد بالقرائن والحجج الدامغة والمعطيات الميدانية: عدد المساجد التي أقيم فيها الاعتكاف، عدد المعتكفين مصنفين عمريا وحيثيات اجتماعية، الإمكانيات البشرية والمادية المرصودة، الإجراءات والتدابير الوقائية المتخذة لتأمين إقامة الاعتكاف، البرنامج المسطر للاعتكاف والأطر المشرفة، … أما الجواب المعلوم فلا يعدو تسجيلا للحضور لطي الملف.

وبعيدا عن المزايدات، ولو كانت الوزارة ــ ومن خلالها النظام الذي يعتبر الدين أساس شرعيته ــ حريصة على إيمان المغاربة وإشاعة معانيه لاتخذت التدابير المطلوبة، لا سيما وهي لا تعدم الإمكانيات البشرية والمادية، ذلك أن الوزارة تتوفر على جيش جرار من الأطر وفي مختلف المستويات، فسنويا تعلن الوزارة في تقرير منجزاتها عن تخريج آلاف المرشدات والمرشدين وتتعاقد مع آلاف القيمين على المساجد، وتتوفر على قاعدة كبيرة من الوعاظ والخطباء، ناهيك عن أطر المجالس العلمية والمندوبيات الجهوية والمصالح المركزية.

في كلمة واحدة، تعتبر وزارة الأوقاف دولة داخل الدولة، لا سيما إذا استحضرنا حجم مواردها المالية من خلال مداخيل الأوقاف ومشاريع العقارات التي تدر على صندوق ماليتها ما لا يعلمه إلا الله تعالى. فلو صدقت وزارة السيد التوفيق العزم لوفرت الشروط المثالية لإقامة سُنة الاعتكاف وجهزت المساجد بالمرافق الضرورية ووفرت الوسائل المطلوبة المادية منها كالأفرشة والأغطية وسائر الخِدمات الغذائية والصحية وهيأت التدابير لانتقاء الراغبين في الاعتكاف بعيدا عن أي توظيف أو نية للإقصاء، فالأعمال بالنيات، دون أن ننسى الطواقم المشرفة على تنزيل برنامج محوره كتاب الله تعالى قراءة وحفظا وتدبرا.

السؤال: ألا يعرف القائمون على الشأن الديني قيمة وفائدة إقامة الاعتكاف وغيره من ثوابت الدين؟ أليس إخلاء الساحة واستقالة الوزارة الوصية من مسؤولياتها في التنشئة الإيمانية وإقصاء مختلف الفاعلين المجتمعيين من الحركات الإسلامية الوسطية والمعتدلة تمكين للفكر المتشدد القائم على قاعدة: يجوز، لا يجوز؟ أليس المغرب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى في مرمى المخططات الإرهابية؟ وإذا كانت التدابير الأمنية مطلوبة، فأين المقاربة الوقائية للحيلولة دون سريان الفكر المتطرف في المجتمع؟ لماذا لا تسارع الوزارة لإقامة الاعتكاف وتقطع الطريق على المتنطعين الساعين لتوظيف الاعتكاف لمآرب أخَـرَ، حسب تلميح السيد الوزير؟ لماذا لا تسهر الوزارة على إحياء سنة نبوية يصب خراجها في الرصيد السياسي للنظام كما تسارع للدعوة لصلاة الاستسقاء وهي تسابق معلومات بإمكانية سقوط غيث بعد يأس وقنوط؟

إقامة الاعتكاف هو عنوان إرادة حقيقية لإحياء المعاني الإيمانية في القلوب وتوفير شروط إقبال العباد على المولى الكريم، ليس في رمضان فقط، بل في سائر شهور العام أداءً لواجب وتبرئة للذمة أمام الملك الديان، يوم يُسأل كل راع عما استُرعي من الأمانات والمسؤوليات.