الهمسة الثامنة: رمضان ولادة جديدة و تصحيح مسيرة

قيل: الولادة نوعان: إحداهما هذه المعروفة، والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع) 1 ، ويقصدون بذلك تعلق القلب بالله تعالى، والإحساس بلذة الإقبال عليه، والسكون بين يديه إخباتا ورضى وإخلاصا.

فلا تجعلن أخي الصائم من رمضان موسما مقدسا لذاته، وقد حبست نيتك فيه بين هلاله وهلال شوال، تعكف فيه ليل نهار على صالح الأقوال والأعمال، ولكنك بيَّت نية لا تليق بذي الجلال، حيث سِرت على عادات العوام، فرمضان شهر مدرسة العزم والحزم، وحبس الجوارح عن مخالفة رب الأنام، ومن المعلوم بضرورة العادة، أن تعود إلى سالف السلوك، صبح عيد الفطر أو بعده بقليل، أذكركما أخي أختي، ونحن في آخر العشر الوسطى -ونفسي أحوج للذكرى- بتجديد النية وشحذ العزيمة، فمثل هذه النية لا تليق بمن أمرني وإياك فقال: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ 2 ، وقال: واعبد ربك حتى ياتيك اليقين 3 ، أي حتى نهاية مطافك في هذا الكون، وأنا وأنت مأموران بتوبة نصوح متجددة، عبر الزمان والمكان، ولا نصح في توبة، قيدت بزمان رمضان، فمن كان يعبد رمضان، فإن رمضان سيفوت، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي دائم لا يفوت ولا يموت، فجدد نيتك بداية، وواصل سبيلك إلى الله نهاية، فإن رب رمضان، هو رب شوال وسائر الشهور والأزمان.

فكيف يكون رمضان في حقي بداية هذه الولادة؟ فما أعظمها من فرصة، إن أحسن المسلم اقتناصها، ودخل من أجَلّ أبواب العبودية، باب التوبة إلى الله، فيوقظ قلبه من الغفلة، والبعد عن الله، والتقصير في شكر نعمه، والتفريط في واجب العبودية خارج رمضان، فلا يكن صومك حبس وقيد اضطراري عن الشهوات فحسب، ولكن افتح صفحة جديدة مع الله، وأنت تتلو قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ 4 .

كيف يكون رمضان لما بعده، تصحيحا لمسار الحياة، حتى نهايتها، يوم موعدك مع الله؟ وقد عبر المولى سبحانه وتعالى عن هذه الولادة، في حياة الإنسان، بأن يصبح على بصيرة من أمره، وقد استنارت طريقه بنور الهداية، أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا 5 ، إنها حياة جديدة، تتجدد في ظلها بواعث الإيمان، المستنهضة لهمة العمل، وأجواء رمضان ونفحاته الربانية هبة من الله لتجدد حياتك بتوبة نصوح، ونقلة من عالم الشتات، إلى عالم الانجماع على الله، إن رمضان بحق مدرسة توبة، فهذا نداء المولى لنا جميعا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ 6 ومني ومنك الاستجابة، مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شفاعة 7 .

الهمسة التاسعة: صفدت الشياطين وبقيت نفسك

تلقت أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم بشرى المولى سبحانه وتعالى في أول ليلة من ليالي رمضان “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب” 8 ، وهي نعمة عظيمة من نعم الله تعالى، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “يقول الله -عز وجل-: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم” 9 . وإذا كان الأمر كذلك، فما بال بعض المسلمين يستمرؤون الخصام وساقط الأقوال وهم صائمون؟ وما بال آخرين تتثاقل أرجلهم عن ارتياد المسجد خصوصا عند السحر؟ وعن صلة الرحم؟ وعن… وعن…؟ في حين تخف إلى مواطن اللهو وضياع أوقات الفضل؟ بل مابال الكثير منا تتثاقل ألسنتهم عن تلاوة القرآن، وذكر الله إلا قليلا، في شهر تتضاعف فيه الحسنات عن غيره من الشهور؟ ألا فلنعلم أن تكبيل الشياطين ومردة الجن كما أخبر الصادق المصدوق، لا يغنينا عن مجاهدة عدو حليف لها، متمرد على طاعة مولاه، إنها النفس التي بين جنبيك، فقد خلق الله النفس البشرية فسواها على فطرة الحسن والجمال، والاستقامة والكمال، ونفس وما سواها 10 أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، فما من نفس ومَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ 11 ، فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا 12 ، لكن يطرأ على بعضها من عوامل النقص والنكوص، والاستمالة عن جادة الأعمال والسلوك، ما يجعلها تنقسم إلى أصناف وأنواع، رسمت للإنسانية مشهد الحياة البشرية على الأرض، في صورة موحية لنزعة كل منها بين الخير والشر، والرحمة والنقمة، والعدوان والإحسان، والهدم والبناء، فلكل منها نزعة ومسار متبع، واستقطاب يرجح كفة الخير تارة، والشر أخرى، في كل زمان ومكان، وقد صنفها الباري سبحانه وتعالى في كتابه الكريم إلى ثلاثة أضراب:

طالع أيضا  همسات رمضانية (1)

1- النفس الأمارة: وهي نفس أشربت صفات الشر، فأصبح سلوكها في الحياة يطبعه الجنوح إلى العصيان والفساد.

2- النفس اللوامة: وهي نفس تأرجحت بين الحق والباطل، لكنها للحق أقرب، وللسير على الجادة أميل، لها في الحياة كبوات، لكنها لا تلبث أن تقف من جديد لتعيد النظر فيما اقترفت وتأخذ العبر.

3- النفس المطمئنة: هي نفس عرفت معنى الحياة وغايتها، فأناخت بسجيتها إلى كل ما يسعد الإنسانية من عدل وحق وإحسان، وشمرت على ساعد الجد لتكون أداة بناء لا هدم، وعقل إنارة لا ظلمة، وقلب رحمة لا نقمة، ويد نماء لا نسف

وهذا الصنف، هي النفس المبشرة عند الإقبال على الآخرة، وسكرات الموت تنزعها من جسد صاحبها بالنداء العلوي: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي 13 .

وأنت في رمضان، ونفسك أقرب إليك، أنت أعرف بها من غيرك، ترى هل طرأ عليها تغيير، لتلغي عقدها الأثيم مع شيطان ينتظرها صبح العيد؟ هل عقدت العزم لتخرج من مدرسة رمضان الربانية بهمة الرجال وعزمة الأبطال؟ إنك مطالب من الآن أن تخوض معركة الحسم في ظروف تشد عضدك، وتسعف سعيك فــ:

عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ *** وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ
وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها *** وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ
14

الهمسة العاشرة: عرفت فالزم.. وعدت فأقم

ما أعظم العودة إلى الله، لأن معية الله هي موطننا الأصلي، ولأن وظيفتنا الأصلية في عمارة الأرض هي عبودية الله وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ 15 ، ولأن كل ما نرتاع فيه من النعم منشأه الله سبحانه: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ 16 ، وهل عندك من إجابة وأنت تسمع الحق يسألك في محكم التنزيل، إلا أن تقر طوعا أوكرها؟ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ 17 ماذا بعد كنف الله ومعيته ورحمته إلا التيه، ماذا بعد أن يكون حسبك الله إلا أن يكلك الله إلى نفسك وحولك وقوتك، وقد نسبك أصلا وفصلا إلى الضعف وقلة الحيلة فقال في حقك: وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا 18 .

طالع أيضا  همسات رمضانية (2)

فلا شك وأنت الصائم القائم في رمضان أحسست بهذه المعية، عندما تدمع عيناك مع تراتيل السحر على نغمة مزامير داود القرآنية، وعندما لان قلبك بذكر الله، وعندما عقدت الصلح مع كتاب الله، وعندما وطئت رجلاك المسجد -بيت الله- فأحسست ببرد اليقين يحدثك بأن لك بيتا في الجنة في غدوك ورواحك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح” 19 ، وعندما ذقت طمأنينة الإيمان تسري بين جوانح قلبك وقلوب إخوانك المسلمين، فتواددتم وتراحمتم وتسامحتم، وعندما تحس بالجوع والعطش والتعب والنصب، فيطرق سمعك قول الحبيب صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه: “قال اللَّه عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به” 20 ، فتحتسب أمرك لله وأنت تتساءل عن كنه وحكمة إخفاء جزاء الصيام، حتى يكشفه الله للصائمين على رؤوس الأشهاد يوم الجمع الأكبر.

وثمة همسة أخرى أسر لها بك أخي الحبيب، فكل منا عاد إلى الله في رمضان، فمنا من عاد من بعيد، وقد أسرف في عصيان مولاه، وكيف لا يعود وهو يسمع نداء العزيز الحكيم قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 21 ، ومنا من عاد من مسافة أقرب فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ 22 ، لكننا كلنا نجتمع اليوم في مائدة الفرح بالله قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ 23 ، أتدري لماذا أخي، لأنه هو سبحانه من فرح بعودتنا أولا، عندما تبنا ورجعنا إلى كنف رحمته “لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتي شجرة فاضطجع في ظلها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح” 24 .

طالع أيضا  همسات رمضانية (2)

فقل لي بربك أخي أختي أبعد هذا كله، كيف لا يطيب لنا المقام في طاعة الله؟ كيف أسمح لنفسي الأمارة بالسوء أن تتيه من جديد وتفك وثاقها من حبل الله المتين؟ عرفت فالزم، فالقناعة من الله حرمان، ولا منتهى لحسرة عبد وفاه أجله وهو في غير كنف الله ومعيته، وإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ 25 .


[1] ابن القيم مدارج السالكين ج3 ص 326.\
[2] البينة 5.\
[3] الحجر 99.\
[4] الانفطار 82.\
[5] الأنعام 122.\
[6] التحريم 8.\
[7] البقرة 254.\
[8] رواه الحاكم في المستدرك (1532) عن أبي هريرة.\
[9] مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي.\
[10] الشمس 7.\
[11] البخاري عن أبي هريرة.\
[12] الروم 30.\
[13] الفجر من 27 – 30.\
[14] الشاعر المتنبي.\
[15] الذاريات 57-58.\
[16] النحل 16.\
[17] يونس 32.\
[18] النساء 28.\
[19] متفق عليه.\
[20] البخاري عن أبي هريرة.\
[21] الزمر 53.\
[22] فاطر 32.\
[23] يونس 58.\
[24] رواه مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه.\
[25] النحل 16.\