ما يحز في نفس الإنسان سوي الفطرة مشاهد القتل التي تتكرر في بلداننا المسلمة تحت مبررات كثيرة أبرزها “تطبيق الإسلام” ونشر شريعته التي تبيح -حسب اعتقاد أصحابها- عقاب “المخالفين” و”الكفار” و”الروافض” بالقتل والتفنن فيه على الطريقة الهوليودية مثيرين بذلك اشمئزاز الكثيرين.

ما نراه من استساغة العالم لما يجري من قتل وإرهاب وعنف كأن الأمر صار واقعا لا مناص من تقبله في وعينا واستمرائه وقبوله واسترخاص الدماء التي تراق بشكل متكرر؛ يدعونا هذا المعطى -الذي سيسجله التاريخ بكل أسف- دائما لإجالة النظر فيما يقع حولنا، وفيمن يكون المسؤول الفعلي الذي يدير مسرحية القتل هاته؟ ومن يستفيد من تشريعها وجعلها واقعا على الأرض وجب تقبله واستساغته؟

أي شريعة وأي قانون يبيح لدعاة القتل هؤلاء أن يرتكبوا هذه المجازر البشعة والفظاعات المقززة في حق أناس أبرياء ليس لهم أي ذنب فيما يقع، دون أن يعوا الآثار التي تنتجها أفعالهم البلهاء هاته من انتشار الطائفية المقيتة وزرع بذور التفرقة بين مكونات الأمة الإسلامية، وزعزعة أمن الناس وتهجيرهم عن أرضهم وإشاعة الخوف المقيت بينهم؟

لا شك أن الأمة الإسلامية قبل هذا قد عاشت أزمات شديدة وقاسية سواء بين المسلمين فيما بينهم وما عاشوه من أزمات داخلية كان أبرزها التقاتل والاختلاف على الحكم، أو ما تعرضت له من صدمات الاستعمار القاسي الذي تسلط على رقاب المسلمين بالسلاح والنار، وما جناه من قتل وتشريد وطمس لهويات الأوطان الإسلامية وتدمير حضاراتها، لكن المؤسف اليوم أن يتكرر هذا الموقف الصعب بتوجيه الأمة نحو التقاتل والانتقام فيما بين مكوناتها وشعوبها وأوطانها في مشهد ينبئ بالكثير من الدم لا قدر الله.

هذا الواقع الصعب الذي تمر منه أمتنا الإسلامية الآن قد يبدو للبعض غامضا وأسود قاتما نظرا لما أصابنا به من نكوص وتراجع على عدة مستويات منها -وهو الأشد قساوة وقتامة- استرخاص دم المسلمين واستباحته بمبررات متنوعة منها الطائفية والإقصاء العقدي وتعدد الولاءات واختلاف الأسناد الداعمة لكل جهة أو فريق أو طائفة مما يسقط المسلمين في هوة القتل والانتقام ويجلب التكالب الأجنبي بدعوى الحماية وقبول التحالف لتقوية النفوذ السياسي والجغرافي للبلدان الضعيفة.

نعم العنف لا يأتي بخير والقوة ليست هي العنف أو الإرهاب بل استعمالها في مواضعها وهي الدفاع عن مكاسب الأمة الأخلاقية والقيمية، وبناء أرضية متماسكة للنهوض الاقتصادي والرقي الاجتماعي وتطوير محركات التقدم من تعليم وتربية وإبداع وصناعة وغيرها، هكذا تكون الأمة الإسلامية قد تجاوزت كبواتها التي -حسب اعتقادنا- تقوي ظهرها وتوقظها من سباتها الذي طال قرونا وآمادا طويلة ثقة في الموعود النبوي الذي يبشرنا أن الإسلام المحمدي السمح سيحكم بشريعة الرفق والرحمة والتدرج بدل “إسلام” القتل والذبح والتخويف والإرهاب الذي يجتهدون في تقديمه للعالم كآخر صيحة من صيحات التغلب والتسلط على الأمة الإسلامية.

أما ما يرتكبه البعض، سواء أكانوا عن طريق استعمال السلطة وأجهزة الجيش والأمن أم كانوا من التنظيمات المسلحة التي تتبنى الفكر التكفيري “الجهادي”، من قتل وإرهاب إما عن وعي أو من دون وعي في حق الناس فهو بعيد عن أن ينسب إلى الإسلام أو للمسلمين، فما ينكره الدين ينكره أيضا العقل والذوق السليم بل يمجه ويرفضه، فلا مجال لخداع المسلمين بدينهم وصناعة دين جديد يتخذ القتل والحرق والوعيد والإزباد والإرعاد ومواعظ الذبح وعقيدة الرفض والإقصاء يتخذها آله خرقاء لحصد الأرواح بدون موجب حق شرعي في الأساس.