أصبح من نافلة القول الحديث عن فشل المنظومة التعليمية ببلادنا بعدما أصبح يسير بخبرها الركبان.

وليس من البراعة والذكاء في شيء الكتابة عن مفصلية ومحورية التعليم في النهوض بأركان الأمة، وسيكون من الغباء الكلام عن النتائج الكارثية والوخيمة لانحطاط التعليم على مستقبل البلاد والعباد.

فهل يحجب الغربال الشمس؟!

ومَنْ مِنَّا لم تصبه شظايا الانشطارات المتتالية للمنظومة التربوية؟!

الحقل يعُجُّ بالبحوث والمقالات والكتابات والتحليلات لمن أراد مزيدا.. وفي خضمها تتوالد المفاهيم والمصطلحات والتعاريف كالفطريات، وتتزاحم وتتراكب حتى إن بعضها ليسرق معنى الأخرى.

ويكفي المتهمم حيْرة وعنتا ما يشهده الحقل التربوي من تفريعات وتدقيقات وتنظيرات تكاد تغطي الفعل المنتج والمردودية بأثر.

من المفاهيم التي ظهرت مع عشرية الإصلاح مفهوم “التسرب الدراسي” ويتجاور مع مجموعة من المفاهيم المتقاربة مثل: الفشل الدراسي، التعثر الدراسي، التأخر الدراسي، التكرار، الانقطاع عن الدراسة.. تدخل كلها ضمن مفهوم أشمل هو “الهدر المدرسي”.

التعريف -خاصة في المجال التربوي- إشكالية في حد ذاته، حيث يبقى فضفاضا، وتعدد المسميات لنفس المفهوم واختلاف الكتابات التربوية حوله يفضي إلى اختلاف في فهم الظاهرة وبالتالي توظيفها ومعالجتها.

بشكل عام يمكن تعريف التسرب الدراسي بأنه انقطاع المتعلم/المتعلمة عن الدراسة في مرحلة معينة من مساره التعليمي.

إلا أن التعريف الآخر الذي أعنيه -ويشكل محور الموضوع المتناول- والذي لم يسبق الإشارة إليه حسب علمي هو: وصول المتعلم/المتعلمة إلى مستوى أعلى دون التمكن من امتلاك الكفايات الأساس التي تؤهله لمسايرة ومواكبة هذا المستوى دون صعوبات ومشاكل.

بهذا المعنى يكون المتعلم/المتعلمة قد تسرَّب كالماء من بين صخور التقويم أو كالحبوب من غربال التصفية، فوجد نفسه في مستوى أعلى -تسرُّبا أو تسْريبا- وهو لا يحمل معه أدنى المقومات من التعلمات الأساس لخوض غمار هذا المستوى بأريحية وتجاوب مع برنامجه وكفاياته.

هذا التسرب الدراسي بالمعنى الذي أشرنا إليه، أصبح ظاهرة متفشية ساهمت وتساهم في خلخلة البنية المنخورة أصلا للمنظومة التعليمية، وقد شكلت الخريطة المدرسية -التي تفرض فرضا عتبة للنجاح- السبب الرئيس في تثبيت الظاهرة، لكنه عند التعمق قليلا فيما وراء الخريطة المدرسية نجد لعبة استرضاء بل انبطاح وخنوع وخضوع لإملاءات الجهات المانحة (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي…) دون مراعاة خصوصيات الواقع المغربي.

هذا الاستخذاء يدفع ثمنه المتعلم/المتعلمة بما يهدر من زمنهم الدراسي، كبر السن دون امتلاك المهارات والمعارف المتناسبة مع هذا السن، ويدفع ثمنه أساتذة وأستاذات بما يبذلون من جهود مضنية لاستدراك ما فات هؤلاء الضحايا، وتدفع ثمنه المنظومة التعليمية ككل من قيمتها وكرامتها عندما يصل متعلم/متعلمة إلى التعليم العالي وهو لا يستطيع تركيب جملة مفيدة.