الهمسة الخامسة: مائدة الجسد ومائدة الروح

يتهافت معظم الصائمين، وقد جرفتهم العادة، على تنميق وتزيين مائدة الإفطار بما لذ وطاب من شهوة البطن، باذلين أقصى ما تصل إليه قدرة جيوبهم، وهذا بالطبع ليس خروجا عن الشرع، إن طاب المطعم بالحلال، ولم ينغصه أنين جار سامه الدهر، أو نحيب يتيم أبكاه القهر، ومرمى الهمسة ياسادة، أن يتفطن الصائم لمائدة أخرى بخست حقها من التنميق والتزيين، بل إن بعض الصائمين -وبعض الظن إثم- لم ينصبها بعد، وذكر فإن الذكرى تنفع المومنين 1 تلكم المائدة، مائدة الروح، وهي الأصل في أيام النفحات الربانية لا الفرع، إنها مائدة حسوها القرآن الكريم، سقيا القلب والعقل، ومشروبها ذكر الله نور القلب، وفاكهتها الصلاة على حب القلب إشراقة الوجود صلى الله عليه وسلم، وملحها الدعاء زينة عبادة المؤمن، ونور وصله بربه، ومظهر ذله وانكساره أمام خالقه، وليكن جسمك خفيفا بخفة روحك، فتسرع إلى بيت اختاره الله تعالى منارة للسجود له، ومنزلا لرحمته وسكينته، ورفع مقام عماره برفعة قدره فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيـهَا اسْمُهُ يُسَبِّـحُ لَهُ فِيهَـا ‏بِالْغُـدُوِّ وَالآَصَـالِ*رِجَـالٌ لاَ تُلْهِيهِـمْ تِجَـارَةٌ وَلاَ بَيْـعٌ عَـنْ ‏ذِكْرِ اللهِ وَإِقَـامِ الصَّـلاةِ وَإِيـتَـاء الـزَّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ ‏فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ 2 ، وهل العبودية في أسمى معانيها غير ذل العبد وانكساره واضطراره أمام ربه؟ فبسمو روحه، يعبر العبد عن ضعفه وعجزه وقلة حيلته أمام مولاه، ومن ثم فهو في حاجة ملحة دائمة لا تنقطع إلا بانقطاع أنفاسه، إلى طرق المعالي، من تلاوة للقرآن، والسجود والركوع، والدعاء والإخبات، وارتياد المسجد يتلقف رحمة الوهاب، مع إخوانه المسلمين، صفا واحدا كالبنيان المرصوص، آملا أن يتراص قلبه بقلوب المخلصين الثابتين التائبين منهم.

طالع أيضا  همسات رمضانية (1)

خلقك الله وصورك من عنصرين اثنين: عنصر التراب المرتبط بالأرض وما بها من نقائص، وعنصر الروح المرتبط بالعالم العلوي، وما بها من كمال، ومن ارتقاء ودرجات وعجائب، كلما ارتبطت بأصلها خالقها سبحانه: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا 3 .

فحقيقة الإنسان، مرتبطة بسمو روحه، قبل مادة جسده، وكلما ارتقى بروحه اقترب من المعالي، وحيثما تفرغ لجسده تمرغ في الدواني، وصدق الشاعر أبو الفتح البستي:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته *** أتطلب الربح فيما فيه خسران؟

أقبل على النفس واستكمل فضائلها = فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

فهل تترك لروحك مساحة في شغلك، على غرار رمضان، لتتذوق معنى الحياة التي أرادها الله لك، ولتسمو إلى مقام العبودية الحقة، حيث الروح ترفرف إلى بارئها كل حين.

الهمسة السادسة: صومك صوم عوام.. أم صوم خواص؟

قال أبو حامد الغزالي، في الإحياء يدلك على مراتب الصيام: اعلم أن الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. وأما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة) 4 ، وهو ما اعتاده معظم الناس، يحبسون معدتهم عن الأكل والشرب، وفروجهم عن النكاح، ويطلقون العنان لما تبقى من الجوارح، ترعى حيث شاءت، كالسائبة من البهائم أعزكم الله، وهو ما نص عليه فقهاء الظاهر فقالوا: الصوم كف عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس)، قصدهم في ذلك أن يسع الشرع لكل مسلم جزاهم الله خيرا.

وأما النبهاء فقالوا: حقيقة الصوم ظاهر وباطن، فصوم المؤمن كف عن ظاهر الإثم وباطنه، وإقبال على الله في ليله ونهاره، فكف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، مرغوب فيه تأدبا مع الله، وتجنبا لهتك حرمة رمضان، مصداقا لقول الحق سبحانه وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا 5 ، ولأن تلك الجوارح إن لم تشاركك العبودية لله، أصبحت وبالا عليك في غد يوم القيامة يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 6 ، وشر هذه الآفات اللسان، فلذا خصه الحبيب صلى الله عليه وسلم بوصيته الغالية “إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ” 7 ، والصائم لا يهتك حرمة ربه ولا عرض أخيه، بدناءة العبارة، وقول الفحش.

طالع أيضا  همسات رمضانية (3)

وزادوا صنفا ثالثا، صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهضم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية) 8 ، وتلك مرتبة دونها المقربون من الأولياء الأتقياء.

فاختر لنفسك أيا منها تريد، والله فعال لما يريد، ولكل همته، وعلى قدر همتك تعطى وتكرم أو تهان.

الهمسة السابعة: لا يسرقنك السحور فتنسى البكور

من الصائمين من يبطئ على مائدة السحور، إما تأخرا في النوم سهرا أمام الشاشة، أو حرصا على تأخير السحور، وكلها مشوشات في طريقك إلى الله في رمضان، فأما التأخر في النوم فعلاجه التبكير فيه، والصبر على مجاهدة النفس، فأنت في معرض الفضائل، معرض استثنائي اختاره لك الله في رمضان مرة في السنة، يغنم فيه المسلم من زكاة الأجر ما ندر في السنة كلها، وأما تأخير السحور فيكفيك شربة ماء بالمسجد عند نهاية التراويح، وأما السهر أمام الشاشة، فهذا خرم في برنامج رمضان، يستحسن العدول عنه حتى لو كان المضمون نافعا، فمن النباهة بمكان أن تضع كل عمل في زمانه ومكانه، ولا تنس أن رمضان أيام معدودات، ولا تغفل عن إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، بنفاسة دقائق الأسحار، والقيام بين يديه حيث يقول “ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فينادي فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له” 9 ، هذا في سائر الأيام فكيف في رمضان حيث مضاعفة الأجر وبركة الزمان، فكيف تخسر هذه الصفقة مع الله، من أجل رعونة نفس؟ كيف أتخلف وأنا أعلم أن ربي في انتظاري يريد إكرامي ومغفرة ذنبي وتقريبي إلى مرضاته، أوليس من غايات الصيام العظمى، ولوج سلك المتقين من عباد الله؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 10 . فكيف السبيل لبلوغ المرام بدون مجاهدة النفس، ومكابدة الليل؟ فباكر إلى بيت الله -بيت نسبه الله لنفسه- ولا يفوتنك موكب والمستغفرين بالأسحار 11 فإنه من مواكب أهل الجنة والرضوان، يوم يستفسر عن مقامهم ونزلهم الأسنى إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ، إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ 12 .

طالع أيضا  همسات رمضانية (1)

[1] الذاريات 55.\
[2] النور 36 – 37‏.\
[3] الإسراء 82.\
[4] إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي ج1/ 234.\
[5] الإسراء 36.\
[6] النور 24.\
[7] رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.\
[8] إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي ج1/ 234.\
[9] رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.\
[10] البقرة 183.\
[11] آل عمران 16.\
[12] الذاريات من 15 إلى 18.\