إن مهمة الوالدين باعتبارهما مربيين لا تقتصر على تحمل أعباء الانفاق والتوسعة في أمور الدنيا. وإنما عليهم مسؤولية تعريض الأهل والأبناء للنفحات الإيمانية ولرحمة الله الواسعة. يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ(الطور: 21).

ونحن نعيش شهر رمضان المعظم لا بد وأن ننتبه إلى واجبنا تجاه أبنائنا. وهذه بعض النصائح العملية:

1- غرس معاني القيم القلبية في نفوسهم

الإخلاص لله (ضد الرياء)، مراقبة الله تعالى والحياء منه، حب الطاعات، الصدق، الصبر، الاجتهاد، تجنب الغيبة والنميمة، الشجاعة، التضامن.. إلخ.

مثال في الإخلاص توظيف حديث “كل عمل ابن آدم له..”، في المراقبة معنى الإحسان، استثمار قصص الصالحين والعظماء، عرفهم بآلام أطفال فلسطين سوريا وسائر البقاع الإسلامية المظلومة.

2- التهيئة النفسية لرمضان

كان أحدهم عند اقتراب رمضان المبارك يكتب لافتة في بهو المنزل مكتوب عليها جملا مثل “قريبا سيحل علينا ضيف كريم”، “أهلاً رمضان”، “أهلاً شهر الصيام”، “مرحبًا شهر الغفران”. وكان الآخر يعقد جلسة أسرية مبسطة حول فضائل الشهر العظيم. وكانت بعض الأمهات تزين البيت وتشرك أبناءها في ذلك ومع كل يوم ورقة مكتوب عليها نصيحة. والبعض يعقد مسابقة بسيطة بجوائز رمزية للبحث عن معلومات رمضانية… فيشعر الطفل أن رمضان عيد يحتفل به.. لا بد أن يشعروا أن شهر رمضان شهر جميل ومحبَّب إلى نفوسهم. لا بد أن ينغرس هذا المعنى منذ الصغر حتى يستقر بعد ذلك في أنفسهم عند الكبر.

3- ربط الأبناء بالمسجد

رمضان فرصة لبدء رحلة الأبناء إلى المسجد، وربط القلوب بهذه البقعة المباركة، بالتحبيب والتشجيع على صلاة الجماعة والتراويح. قم بنزهة مع أبنائك بعد الصلاة، اصطحب زوجك وأبناءك لصلاة التراويح، قدم هدايا لهم، أشركهم في بعض أعمال المسجد كتوزيع الماء والتمر، عرفهم بفضل المساجد، عودهم على تحرّي ليلة القدر وقيامها- علمهم آداب المسجد..

4- تعويدهم على التعلق بالقرآن وحفظه

فعندما يرى الطفل والطفلة والديهما عاكفين على كتاب الله هذا يقوِّي عندهما داعي الفطرة ويحببهم في القرآن: اربطهم بمسجد الحي للحفظ، ضع برنامجا للحفظ والمراجعة مع أهلك وأبنائك، سمعهم القرآن من أجود القراء، نظم مسابقة قرآنية في بيتك، لا تترك الفرصة للحديث عن أهل القرآن وفضلهم، برمج ختمة خاصة بالأسرة، أعد جائزة الختم أو عدد الختمات. “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”.

5- ذكر الله

رمضان مناسبة للتعود على الأذكار اليومية: ذكر الأذان، الدعاء الجماعي قبل الإفطار، الدعاء قبل الفجر، جلسة الختم جماعة والدعاء، مسابقة حفظ الأذكار اليومية بين الأبناء..

6- تغيير العادات السيئة إلى عادات حميدة

تجنب العادات الغذائية السلبية (تجنب الإسراف في المأكولات وتضييعها – التقليل من السكريات – استبعاد المثلجات – عدم إهمال الخضروات الطازجة..)، مقابل اكتساب عادات جيدة: ممارسة الرياضة، تجنب السهر، عرس أن رمضان شهر الجهاد والعمل لا النوم والكسل، تنظيم الوقت وتجنب التلفاز فهو قاتل الأوقات، التعويد التدرجي للأطفال على الصيام، وضع نظام لليوم وقواعد للاستفادة من الوقت، تشجيعهم على مساعدة أمهم في أعمال المنزل ليتدربوا على تحمل المسؤولية وحتى تستفيد هي الأخرى من الوقت..

7- التربية على البذل

“كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ”، ومن تم يمكن: عرّف الأبناء بمعنى (من فطر صائماً..)، أشركهم في أعمالك الاجتماعية، أشركهم في عملية إخراج الزكاة، اغرس فيهم قيمة الصدقة والإنفاق، فمن الأمهات من تعطي طفلها الصغير قدرًا من النقود ليضعها في يد سائل وكم سيغرس فيه مثل هذا الفعل البسيط حب الكرم والصدقة والإحساس بالآخر.

8- التربية على الترابط الأسري وصلة الرحم

هذا الشهر العظيم فرصة لتقوية الترابط الأسري وصلة الرحم، فالأسرة تجتمع غالبًا مرتين في اليوم على مائدة الطعام، ويزداد ترابط أفراد الأسرة بعضهم ببعض، وهذا بالتأكيد له تأثير على تماسك شخصية الطفل وقوتها؛ فالطفل الموجود في أسرة متماسكة ومترابطة يكون أكثر استقرارًا نفسيًّا وذهنيًّا وعقليًّا من الطفل المنتمي لأسرة مفككة أو الأرحام فيها مقطوعة. كما أن تبادل الزيارات بين أفراد الأسرة واجتماعهم على مائدة الإفطار يغرس في نفس الطفل أهمية صلة الرحم وعدم قطعه.

9- الاستمرار واليقظة

مهمة التربية وبناء النفوس الصالحة ليست مهمة سهلة، بل تحتاج إلى جهد كبير واستمرار ويقظة تربوية تجعل المربي لا يفوّت موقفاً أو حدثاً أو مناسبة تمرّ به وبأبنائه، إلا أحسن استغلالها لمصلحة تربيتهم، جاء في كتاب الله عز وجل وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وقال عز من قائل وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، وقال الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”؛ استثمار العطلة الصيفية في ملء فراغ الأبناء بما يعود عليهم بالنفع دنيا وأخرى، المواظبة على الحفظ، المشاركة في مخيم تربوي هادف، تعهد سلوك القراءة والمطالعة، الدعاء بالثبات.

10- الصحبة في محاضن الخير

ربط الأبناء بمحاضن الخير وإبعادهم عن صحبة من هب ودب، ينبه الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في وصية الأخيرة ويحذر من أن نترك عوامل التضليل والفساد تغتالهم (أي الأبناء) من بين أيدينا… وأوصي بما أوصى به أبونا إبراهيم عليه السلام.. أوصى بنيه أن لا يحيدوا عن الدين الذي اصطفاه الله عز وجل لهم وأن لا يموتوا إلا وهم مسلمون، وبمثل وصية الجد الرسول أوصى الحفيد يعقوب عليهما وعلى نبينا وعلى جميع أنبياء الله والصالحين من عباد الله أزكى السلام).

وعليك بتوخي التكوين الذاتي والبحث في أساليب التربية وأسس التعامل مع الأبناء لأن التربية بحاجة إلى وعي وثقافة وعلم بأصول التربية وقواعدها.

وتذكر(ي) أن الأبناء يحتاجون قضاء أوقات تخلق ذكريات مميزة مع والديهم، فقضاء وقت معهم لقص حكاية، قراءة كتاب، النزهة في حديقة أو حتى للعب، لا يكلف شيئاً، لكنه يصنع فارقاً مع أبنائك نتيجة لهذا للتواصل.

ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين و اجعلنا للمتقين إماماً.