شهرٌ مبارك

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، لما حضر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “قد جاءكم شهر مبارك، افترض عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم” 1 .

لقد خص الله عز وجل شهر رمضان بالكثير من الخصائص والفضائل فهو شهر نزول القرآن، وهو شهر التوبة والمغفرة وتكفير الذنوب والسيئات، وفيه العتق من النار وفيه تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين، وفيه ليلة خير من ألف شهر، وهو شهر الجود والإحسان وهو شهر الدعاء المستجاب.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم “قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إلا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِه، وَالصِّيَامُ جُنَّـةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفـُثْ، وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِم، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْك، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَـرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِه” 2 .

وقيل في قوله تعالى فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون 3 . قيل كان عملهم الصيام.

للصوم معنيان:

أحدهما أن الصوم سر ليس فيه عمل يشاهَد، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى والصوم لا يراه إلا الله عز وجل.

والثاني أن الصوم قهر لعدو الله عز وجل، فإن وسيلة الشيطان لعنه الله الشهوات، وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم “إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم” 4 . وما دامت الشهوات وسيلة للشيطان فإن الصيام والجوع يقهره.

طالع أيضا  رمضان المدرسة الإيمانية الخالدة 2/2

فلما كان الصوم على الخصوص قمعا للشيطان، وسدا لمسالكه، وتضييقا لمجاريه، استحق التخصيص بالنسبة لله، ففي قمع عدو الله نصرة لله سبحانه، وناصر الله تعالى ينصره الله. قال تعالى إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم 5 . ولهذا كان الصوم باب العبادة، وصار جُنة ووقاية وقمعا للشيطان.

إذن فعندما يكون الصوم خالصا لله، ويعني كف الجوارح عن الآثام، وصوم القلب عن الهمم الدنية، والتوجه إلى الله بالكلية، وليس فقط كف البطن والفرج عن قصد الشهوة، يعتبر نصرة لله.

رمضان مدرسة لتعلم الصبر

إن صيام رمضان تربية وتعليم وتأديب رباني لهذا الإنسان، لعله يدرك أن طريق طاعة الله واتباع رسله، والتمسك بالقرآن والتخلق بأخلاقه، لابد فيه من صبر ومصابرة، فالطريق طويل والعقبة كؤود، وقطاع الطرق كثر، ولعل أول ما يعترض طريق الاستقامة إلى الله، هو عقبة الشهوة والغريزة، شهوة البطن وشهوة الفرج، والتي قد تنحرف بالإنسان وتجره إلى منحدر الغفلة والبعد عن الله، منحدر حب الدنيا والتشبث بها، وكراهية الموت وكل ما يذكر بالآخرة.

يأتي رمضان حتى يذكر هذا الإنسان أنه ما خُلق إلا لكي يقوم بوظيفة العبودية لله، وأن شهوة البطن والفرج وسائل قيمتها من مدى مساعدتها لهذا الإنسان حتى يعبد الله ويتقرب إليه، إن شهوة البطن والفرج لا سلطة لها على الإنسان، بل وبإمكانه التحكم فيها وتوجيهها حتى تخضع لشرع الله، وما الصوم إلا تربية وتدريب رباني للإنسان حتى يتعلم كيف يتحكم في الشهوات والغرائز، ويصبر عليها، ويقلل من شأنها، فهي مجرد وسائل وأدوات لا يجب أن تتحول إلى غايات توجه حياة الإنسان، بل وتحوله إلى مجرد أداة في يدها.

إن رمضان رسالة ربانية سنوية لهذا الإنسان، تذكره بأنه عبد لله وحده وليس عبدا للشهوة والغريزة، وأنه لابد له من صبر ومصابرة للتحكم في هذه الشهوات وتوجيهها، والصوم نصف الصبر، والصبر نصف الإيمان، والصبر قريب من التقوى كما قال صلى الله عليه وسلم، والتقوى هي الزاد الذي لابد منه للسير في طريق الاستقامة، طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، طريق القرآن، طريق الهدى والفرقان.

طالع أيضا  رمضان المدرسة الإيمانية الخالدة 2/2

اللهم اجعل لنا رمضان فرصة للتزود بما ينفعنا ويعيننا في طريق الاستقامة إليك. آمين.


[1] أخرجه الإمام أحمد في مسنده.\
[2] أخرجه الإمام أحمد.\
[3] السجدة 17.\
[4] متفق عليه.\
[5] سورة محمد آية 7.\