المقدمة

جاء في الصحاح للجوهري ولسان العرب لابن منظور، الصَّبْـرُ نقيض الجَزَع، صَبَرَ يَصْبِرُ صَبْـرًا فهو صابِرٌ وصَبَّار وصَبِيرٌ وصَبُور والأُنثى صَبُور أَيضًا بغير هاء وجمعه صُبُـرٌ. وأَصل الصَّبْر الحَبْس وكل من حَبَس شيئًا فقد صَبَرَه، والصبر: حبس النفس عن الجزع.

والصبر اصطلاحا هو حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره.

قال ابن القيم: الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبرٌ عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها).

والقرآن الكريم بين لنا في عدة مواضع فضل الصابرين وكذلك السنة النبوية مما يبعثنا على أن نحب هذا الخلق الرفيع وأن نتصف به تأسيا برسول الله وإخوانه من الأنبياء والرسل وكذلك الصالحين المصلحين من هذه الأمة.

لماذا نحب خلق الصبر؟

لما فيه من رفعة وثواب كبير كما قال أحد الصالحين لا يستطيع أحد أن يحصي أجر الصابر المحتسب حتى الملائكة المقربون إلا الله سبحانه وتعالى، قال عز وجل: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ 1 . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: “ما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر” 2 . ويقال الصابر هو صاحب الحظ العظيم كما قال الله عز وجل: وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم 3 . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا إنَّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس باد الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له) 4 . ويكفي الصابر فضلا ونعمة وجزاء ما قاله الله عز وجل في كتابه الحكيم: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ 5 . فالمؤمن في هذه الحياة الدنيا له هم واحد كبير وجلل هو أن يحبه الله، فكيف لا نحب ما أحب الله؟ وما به يحبنا الله؟

رمضان والصبر على الأوامر والطاعات

رمضان شهر الصيام والقيام والذكر، شهر الغنيمة والتزود، شهر التزكية وإصلاح النفس، شهر التراويح والتهجد والمناجاة، شهر التعبد والتقرب إلى المولى بالفرض والنفل، شهر الاعتكاف وشد المأزر والتوجه بالكلية للمولى عز وجل. وهذا كله وجب منا صبرا وتصبرا على مشقة الطاعة، لأن النفس تهوى الأكل والشرب واللذات، وتحب النوم والراحة وكل الشهوات. فبصبرك تغالب النوم للقيام بين يدي الله في جوف الليل، للتهجد والتراويح، وتلاوة القرآن والصلاة في المسجد، وبصبرك تدع شهوتي البطن والفرج من الشروق إلى الغروب، وبصبرك ومراقبتك لله تدع كل شهوات البصر والسمع والكلام المحرم والمكروه إلى استغلالها في النظر إلى كتاب الله وكتب العلم والتفهم، واستماع ما يرضي الله من الكلم الطيب، والكلام في المدارسة والتعلم، واللهج بذكر الله استغفارا وتسبيحا وتهليلا وصلاة على النبي المختار، فيكبر ويعظم حياؤك من الله عز وجل. عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “استحيوا من الله حق الحياء. قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك استحيا من الله حق الحياء” 6 .

رمضان والصبر عن المناهي والمخالفات

تألف النفس البشرية وتميل لمجالس اللغو واللعب واللهو، ومتابعة الأفلام والمسلسلات والبرامج المختلفة، والتبحر في العالم الافتراضي، وإذا كان الشيطان وأعوانه من الجن والإنس يخططون ويبرمجون لهذا الشهر الفضيل من أعمال كثيرة وعديدة تكاد لا تحصى، تسمى عندهم فنية، تذهب الحياء وتنشر الرذيلة، وتشغل الإنسان عن ذكر الله، وتبعده عن اغتنام شهر رمضان في التزود والتزكية، فإن المؤمن شحيح بوقته ليس خبا لينجرف مع تيار الفتنة، وضياع الوقت، يصبر نفسه لكي لا يسقط في المخالفات والمنهيات، ورع بدينه، صلح قلبه فابتعد عن الشبهات. عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وأن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” 7 . عرف مكائد وخطوات الشيطان التي تؤدي إلى المعصية والذنب فتحصن منها، سمع قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر 8 ، فاستجاب لأمر الله واطمأن قلبه.

رمضان والصبر على الأقدار والأقضية

إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه، فعن أنس بن مالك ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “عِظم الجزاء، مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط” 9 . والابتلاء والفتنة والامتحان كلها بمعنى واحد هو الاختبار. يقال يبتليه ابتلاء: إذا جرَّبه واختبره، والمؤمن صابر محتسب وراض، مسلم أمره لله، علم أن كل أمر من الله فهو له خير. كما جاء في الحديث عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له” 10 ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب -مرض- ولا هم ولا حزن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه” 11 ، فابتلاء المؤمن هو محنة ولكن في طيها منحة كبيرة من الله يبلغه الله بها الدرجات العليا عنده سبحانه.

وبما أن رمضان تكثر فيه المناوشات والسباب والخصومة، من ذوي النفوس الأمارة التي لا صبر لها والتي يشق عليها الالتزام بالصيام الصحيح، من حفظ اللسان والجوارح، والاستقامة على شرع الله، مما يؤدي إلى العداوة والصراعات، وكثير من الأحيان إلى الاقتتال، فالمؤمن ينأى بنفسه عن هذا كله؛ سمع قول الله عز وجل من سورة الفرقان: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا 12 فصبر واحتسب، وسمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي راوه أبو هريرة رضي الله عنه: قال الله تعالى في الحديث القدسي “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم” 13 فحفظ جوارحه كلها عن ما يغضب المولى عز وجل ووهب عرضه لله. جاء في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول لأصحابه: “أتعجزون أن تكونوا مثل أبي ضمضم؟ قالوا: يا رسول الله وما أبو ضمضم؟ قال: فإن أبا ضمضم رجل فيمن كان قبلنا إذا أصبح يقول: اللهم إني أتصدق اليوم بعرضي على من ظلمني وفي رواية كان إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم إني لا أملك ديناراً ولا درهماً، أتصدق به على المسلمين، اللهم إني قد تصدقت بعرضي على من أصاب منه شيئاً من المسلمين ، فلا أطلبه به في دنيا ولا آخرة” 14 .

وفقنا الله في هذا الشهر الكريم لفعل الخيرات، وترك المنكرات، والصبر على كل ما يرفع الدرجات، مع المنعم عليهم ممن رضي عنهم رب الأرض والسماوات.


[1] سورة الزمر: 10.\
[2] رواه البخاري.\
[3] سورة فصلت: 35.\
[4] الصبر والثواب عليه لابن أبي الدنيا.\
[5] سورة آل عمران: 146.\
[6] رواه الترمذي.\
[7] رواه البخاري ومسلم.\
[8] سورة النور: 21.\
[9] أخرجه ابن ماجة.\
[10] رواه البخاري ومسلم وغيرهما.\
[11] رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة.\
[12] سورة الفرقان: 20.\
[13] رواه البخاري ومسلم وغيرهما.\
[14] رواه أبو داود السني والبزار.\