عندما يقترب شهر رمضان تنفتح الشهية الروحية لدى الناس للإقبال على أعمال الإسلام والإيمان، من صلاة وذكر لله وتلاوة للقرآن وإنفاق وأخلاق، فيتكون عندهم بذلك الاستعداد العقلي لسماع المواعظ والدروس والمحاضرات في المساجد وعلى الشاشات. وبموازاة ذلك تعمل الدوائر الرسمية للوعظ والإرشاد على إيجاد الفرص لتعويض ما فاتها من خلال سنة من الركود والجمود، وذلك بوضع خريطة دعوية تتحدد من خلالها المساجد وتحصى وتعدّ، ويتوزع عليها وُعاظها ومرشدوها بلائحة حصرية لا مكان للدعاة الآخرين فيها بل تقصى وتحارب وتصدّ.

وفي الوقت الذي تدخل فيه أيام شهر رمضان ببركاتها، يتلهف الناس على المساجد التي يكون من نصيبها الواعظ الفلاني المشهور صاحب اللسان الفصيح، فتجد منهم من يتنافس على المقاعد الأولى، ومنهم من يزدحم عند الباب، كل ذلك لعلهم يروون عطشا جدّ فيهم لأن أجواء شهر الرحمة أمكنتهم منه. لكن بعد أيام من ذلك يجد الناس اللسان هو اللسان، والكلام هو الكلام، بنفس المضمون، وبنفس الترداد والتكرار السنوي. في بداية الشهر الكريم حديث عن الصيام، وفي وسطه حديث عن التقوى، وفي آخره حديث عن الصبر (اصبروا معنا فقد أوشك الشهر على الانتهاء)، وتتخلل هذه العناوين الثلاثة حديث عن المناسبات كغزوة بدر، والفتح، والعشر الأواخر، وليلة القدر، وزكاة الفطر.

تتكرر نفس الدروس بنفس الخطاب فتنتج نفس الشخصيات بنفس العقليات وبنفس السلوك حتى العام المقبل. فكان من الأجدر أن يكون شهرُ رمضان بما يحمله من روحانية ونورانية وبركة في الحقيقة فرصة مواتية وسانحة للتغيير بين يدي كل مسلم، لكن لو يجد الأبواب مفتوحة أمام الخطاب الدعوي الحي والحرّ الحامل لهمّ الآخرة وهمّ الأمة معا.

فبالرغم مما يطبع هذا الخطاب الدعوي الرسمي السائد خلال شهر رمضان في المساجد وبعض الندوات الرمضانية المحلية أو في وسائل الإعلام المرئية منها والسمعية من طابع ديني وتربوي كالحديث عن الإسلام والعمل له والدعوة إليه، فإنه لا يعدو أن يكون ذلك نظريا أكثر مما هو عملي لا يحمل الفرد على التغيير بله تغيير المجتمع. وإذا ارتقى إلى مستوى العمل فإنه يتم بشكل تجزيئي لا يفي بالغرض. فإن تحدث عن العمل الفردي فدون العمل الجماعي، وإن تحدث عن العمل التربوي فدون العمل السياسي، وإن تحدث عن الجزئيات فدون الكليات.

فما ذكرناه يعدّ جزءا من أزمة يعيشها الخطاب الدعوي حين يُحتكر ويحاصر ويُجعل في قوالب خاصة بدعوى تنظيم الحقل الديني، فيُبتر مضمونه قبل أن يُنشر، فلا فائدة تعود على الفرد أو المجتمع ولا نتيجة تُذكر. لكن أعظم أزمة يمرّ بها الخطاب الدعوي حاليا هي فقدانه إلى مادة الحياة التي لا تأتيه إلا من كثرة الذكر، فالخطاب الدعوي الخالي صاحبه من ذكر الله خطاب ميّت كما صاحبه ميّت، “مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت” 1 . فنكون بذلك الخطاب الميت نميت الناس من حيث نظن أننا نحييهم. وكيف لميت أن يحيي ميتا. وهذا ما كان يحذر منه الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله الخطباء والوعاظ في وصاياه، أن لا يسقوا الناس السمّ، إشارة منه إلى خطاب دعوي يفتقد صاحبه إلى نورانية الذكر وروحانيته. قال الشاعر:

فنسيان ذكر الله موت قلوبهم *** وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم *** وليس لهم حتى النشور نشور فحتى يتجاوز الخطاب الدعوي أزمته ويؤثر في الناس ويحدث التغيير المطلوب، لابد من أن يتصدى له الذاكرون الله كثيرا والذاكرات ليحمل بين ثناياه مادة الحياة، يقول الله تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها 2 ، ولابد أن يرقى إلى مستواه العملي الذي به تتحفّز الهمم وتتحرك الإرادات، وأن يرقى إلى مستوى مخاطبة القلب الذي عليه مدار صلاح وفساد الجسد الفردي والجماعي، وليس الاقتصار فقط على مجالات العبادة والمعاملة والعادة. ولابد أيضا من أن ترفع الوصاية عن المساجد وعن المنابر الدعوية لفتح الباب أمام الكلمة الحرة حتى تصل إلى الناس. يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم 3 .


[1] متفق عليه عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما.\
[2] الأنعام: 122.\
[3] البقرة: 113.\