منذ أزيد من تسع سنوات وفلسطينيو قطاع غزة يعيشون على وقع حصار خانق غاشم من كل الجهات وعلى كل الأصعدة فالكيان الصهيوني الغاصب لا يسمح إلا بدخول المواد التي يرى ويقدر أنها لا تشكل خطرا على أمنه وقد يكون حليب الأطفال وأدوية المرضى من هذا الصنف من المواد!!

وللأسف الشديد فقد ازدادت حدة هذا الحصار بشكل رهيب بعد الملاحم البطولية التي سطرتها فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها كتائب الشهيد عز الدين القسّام خلال العدوان الصهيوني الوحشي الأخير على القطاع، والذي فجر فيه هذا الكيان الغاصب كل حنقه وخبثه في قتل الأبرياء ودك البنية التحتية والمرافق الحيوية من مدارس ومستشفيات ومراكز إيواء… إذ ما تزال العديد من العائلات تعيش وسط ركام البيوت والمنازل المهدمة في افتقاد تام لكل مقومات الحياة من ماء وكهرباء ودواء…

أما شريان الحياة الوحيد الذي يربط غزة بالعالم الخارجي فقد أضحى حكمه في شبه الإغلاق التام، الأمر الذي زاد من معاناة القطاع خاصة بعد تدمير الأنفاق الرابطة بين غزة ومصر والتي كانت منفذا مهما لمرور السلع والبضائع والأسلحة أيضا.

هذه بعض من معاناة أهلنا في قطاع غزة الذي أضحى سجنا كبيرا يعاني أهله من عقاب جماعي يتواطؤ فيه احتلال غاصب مجرم ونظام انقلابي حاقد.

أما حال الفلسطينيين في الداخل والمخيمات فلم يعد يخف على أحد، وتبقى الأوضاع المأساوية التي يعيشها مخيم اليرموك بسوريا أكبر من أن توصف إذ مازال سكانه يعيشون بين حصار تنظيم الدولة “داعش” وبراميل نظام بشار المجرم، وضع أقل ما يمكن أن يوصف به هو أنه كارثي ومأساوي جراء الحصار والنقص الحاد في المواد الغذائية وكل الحاجيات الضرورية للحياة مما اضطر العديد منهم للعيش على الأعشاب والكلأ، فقد تابع العالم برمته مشاهد الموت البطيء للشيوخ والأطفال من شدة الجوع والعطش والبرد القارس، أما الفارون من جحيم هذا المخيم إلى لبنان فمصيرهم هو التشريد والضياع بعد أن أعلنت منظمات الإغاثة الأونوروا على وجه التحديد عدم قدرتها على إيوائهم وتغذيتهم حيث مازالوا يخوضون إضرابات مفتوحة أمام مقرات هذه المنظمة في بيروت.

وعن حال مسلمي بورما فلا تسأل؛ فمعاناتهم لا تكاد تختلف عن مأساة الفلسطينيين فهم يعتبرون من أكثر الأقليات في العالم اضطهادا، حيث ما يزال مسلمي الروهينجا يتعرضون لتطهير عنصري ممنهج من طرف البوذيين والعسكر في نفس الآن، إذ يحرمون من جميع حقوق المواطنة فضلا عن التعسف والابتزاز والسلب والتشريد والقتل مما اضطر العديد منهم إلى الفرار والهجرة إلى تايلاند واندونيسيا وماليزيا… دول ضاقت بهم درعا وعجز المنتظم الدولي الذي يدعي زورا وبهتانا حماية الأقليات وحقوق الإنسان عن إيجاد حل لهم فهم الآن بين عالق في عرض البحر أو السواحل ومشرد ومعتقل أو بضاعة رخيصة في سوق النخاسة والاتجار في البشر.

عذابات المسلمين ومآسيهم ومعاناتهم في فلسطين وبورما وإفريقيا وفي كل بقاع العالم لا تكاد تنتهي بينما أنظمة الجبر والذل والهوان الجاثمة على رقابنا مشغولة هاته الأيام بتقتيل شعوبها، تقتيل تعددت أشكاله ومظاهره بين قتل مباشر بالذبابات والبراميل… وقتل غير مباشر وهو الأبشع والأفتك عبر إعمال خبيث لكل وسائل الإفساد والتضليل والتمييع من إعلام وفن ومهرجانات هدفها الرئيس قتل كل معاني الشهامة والرجولة وإرادة التحرر والانعتاق.

كل هذه الآلام والجراحات التي تعيشها الآمة لا يمكن إلا أن تشكل مدرسة للمحن والشدائد تخرج بإذن الله رجالا مؤهلين لحمل هم الأمة وتبليغ رسالة الرحمة والعدل والسلام إلى العالمين.