الهمسة الأولى: نداء عاجل…

هل اتاك أخي أختي نبأ هذا النداء الكريم، في هذه الليلة، الليلة الأولى من رمضان، من رب جواد رحيم، يجزل العطاء، ويجود بالمزيد، وقبل النداء أمهلني، لنرصد حالة الكون من حوالينا، وقد تغيرت ملامحها، وطهرت مناكبها، وازينت لأهلها، هكذا يخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب” 1 ، فلا مكان لمظاهر الشر في الأرض تؤذي الصائمين وقد أمسوا في صبح رمضان أشبه بالملائكة الأطهار، خلوفهم أطيب من ريح المسك، وقلوبهم أرق برحمة الله، فلتغلق النار أبوابها، وليرحل الشيطان الداعي لها، ولتفتح الجنان أبوابها لتنزل رحمة الله على العباد كلهم، ومن ثم يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: “وينادى مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر” 2 ، فإنه زمان رمضان الاستثنائي، فكما حدث في الكون كله طارئ لقدوم الضيف الكريم من رب كريم، فلتوقظ منا الهمم، ولنجب النداء، ولنحل عن عاداتنا السيئة، غفلة ونوما وإسرافا وإعراضا، وجالس نفسك الليلة، لتخط لنفسك برنامجا يليق بالمقام، ويستجيب لنادي الرحمان، بنده الأول توبة نصوح، والثاني عمارة المسجد، والثالث رفقة كتاب الله، وأما الرابع وما يتبعه فعلى قدر شوقك تعزم، وعلى قدر همتك تعط.

الهمسة الثانية: وقتك.. فاغنم

رمضان وما أدراك ما رمضان، كن بخيلا بوقتك في رمضان إلا في طلب وجه الله، وليكن وقتك ميزانية تنفقها فيما يعود عليك بالأجر والثواب، فلا المسجد يفقد خطواتك، ولا المصحف يفقد نظراتك، ولا ذكر الله يغادر لسانك، ولا حسن الظن يختفي عن قلبك، ولا طالب إحسان يصد عن بابك، ولا غافل عن الله يجر لسانك، تلك خلال الصائم المحسن الموفق، فدقائق رمضان غالية، نستحيي من ربنا سبحانه أن يرانا نبذرها أمام شاشة عاقت الفضائل، أو صفحات شبكة زينت الرذائل، أو سهرة في دهاليز المقاهي سرقت منا الحسنات، أو حتى حديث سمر ليل ضيع منا ركعات التراويح عشاء وفجرا، أولسنا كلنا في حاجة أن نغسل بماء رمضان الطاهر، ما علق بنا من سوء الأفعال والأقوال، فلنحتسب إذن أخي وأختي صحتنا وأوقاتنا وفراغنا وكلنا لله سبحانه في زمن الخير، وقد حبانا الله تعالى أن أطال أعمارنا فأدركنا رمضان، وأنصت بأذن قلبك إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم إذ يبشرك: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه” 3 فكيف يفوتني وقت لا أكون فيه قائما لله، مستقبلا قبلته، أو تاليا كتابه، أو ذاكرا لآلائه، أو راحما خلقه، أو ساعيا في خير، وأصغ سمعك له صلى الله عليه وسلم إذ ينبهك: “من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، قولوا: آمين” 4 فذاك الغبن الدفين، عافانا الله وإياكم أمة العدنان.

طالع أيضا  همسات رمضانية (2)

الهمسة الثالثة: البطنة تذهب الفطنة

لا يكونن همك في رمضان، ما تملأ به معدتك من فنون الطعام، وزخرف المائدة، فما فرض المولى علينا الصيام إلا لمجاهدة النفس، ومكابدة شهواتها، فبحسب المؤمن في رمضان ما يقيم به صلبه، ويشد به أوده، وليسبق قوت قلبك عناية في رمضان قوت معدتك، لتصيب مراد الله فيك في شهر التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 5 ، وكلما خف الجسم من تخمة الأكل خفت الروح للعبادة، والوقوف بين يدي الله في أطراف النهار، ودقائق الأسحار الغالية، وكلما أسرف في الأكل ولو حلالا، ضاعت نباهته بثقل الجسد، ورخاوة الجوارح، ولعل في هذا المعنى سر قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: “مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ” 6 ، وإذا كانت “المعدة بيت الداء” فالشبع على الشبع سبيل الوباء، فأين أنت إذن من بلاغ قدوتك المصطفى صلى الله عليه وسلم “صوموا تصحوا” 7 ، فالبطنة تتلف فطنة العقل وتطفئ جذوة القلب.

وإن كان لك فضل من مال أو طعام، فلا تنس من حواليك، من عيال الله، الذين خلت موائدهم من عشر ما أنت فيه، فالتفاتتك إلى حالهم من أسس الإيمان، وغاية الصيام، وقد همس لك الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى لا تنسى: “عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به”” 8 . فما أذاقك الله لسعة الجوع في رمضان شهرا، إلا أن تتنبه إلى الذين سكنهم الطوى في دهرهم كله، فالخلق كلهم عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.

طالع أيضا  همسات رمضانية (3)

الهمسة الرابعة: وللصائم دعوة لا ترد

الدعاء هو عدة المؤمنين وسلاح المستضعفين، وواسطة رضا رب العالمين، فأكسل الناس هو العاجز عن دعاء ربه، وأصغ إلى المولى سبحانه، وهو يحثنا أن نطرق بابه العظيم، ولحكمة أرادها الله تعالى كانت هذه الآية بعد الدعوة إلى الصيام: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون 9 ، فالدعاء سلاح المؤمن، الذي ينجيه من عثرات الزمان، ويخلصه من الهم والغم، ويزيد من رزقه، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ألا أدلكم على سلاح ينجيكم من عدوكم، ويدر أرزاقكم قالوا: بلى يا رسول الله! قال: “تدعون بالليل والنهار، فإن سلاح المؤمن الدعاء”” 10 ، وما أكثر الأعداء الذين يتربصون بالأمة الدوائر اليوم، فلنجعل من رمضان بابا مفتوحا بيننا وبين من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

أنت الصائم المجاب الدعوة، من المصطفين الذين لا يرد لهم دعاء، اسمع لبلاغ الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتُهم: الصَّائم حتَّى يُفْطِر، والإمام العادل، والمظلوم” 11 ، لكن احرص أن يكون دعاؤك دعاء صدق وإخبات، وقلب متضرع تواب، ليصعد إلى ربك سهما لا يخطئ الإجابة، فالاخلاص في الدعاء شرط، والقلب الخاشع يبحث دائما عن أوقات يلتمس فيها من ربه القبول، وسبحان من خصص لعباده الخير كله، أوقات تفتح فيها أبواب السماء منها: ليلة القدر، وعند الأذان، عند نزول المطر، شهر رمضان، يوم عرفة، عند الجهاد، ليلة الجمعة، عند قراءة القرآن، عند زوال وطلوع الشمس، وفي السجود. على أن يسبق ذلك الدعاء الاستغفار من الذنوب والتوبة الخالصة مع استقبال الداعي القبلة وهو على طهارة أفضل. والإلحاح والإكثار من الدعاء، يحقق الأمل والرجاء في تفريج الكروب، فلا تبخل على نفسك وألح في طرق باب مولاك يأتيك الخبر اليقين إن عاجلا أو آجلا، وعد الله وقال ربكم ادعوني أستجب لكم 12 ولن يخلف الله وعده.

طالع أيضا  همسات رمضانية (3)

قصدتُ باب الرجاء والناسُ قد رقدوا *** وبتٌ أشكو إلى مولاي ما أجد
فقلت يا أملى في كل نائبة *** يا من عليه في كشف الضر أعتمد
أشكو إليك أمورا أنت تعلمها *** ما لي على حملها صبرُ ولا جلد
لقد مددت يدي بالذلُ مفتقرا *** إليك يا خير من مدتُ إليك يد
فلا تردنها يا رب خائبة *** فبحرُ جودك يروي كل من يرد


[1] رواه الحاكم في المستدرك (1532) عن أبي هريرة وقال: (حديث صحيح على شرط الشيخين).\
[2] رواه الحاكم في المستدرك (1532) عن أبي هريرة وقال: (حديث صحيح على شرط الشيخين).\
[3] الصحيحين من حديث أبي هريرة.\
[4] رواه الحاكم في المستدرك عنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ.\
[5] البقرة 183.\
[6] رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: “حديث حسن” عن المقدام بن معد يكرب.\
[7] رواه العقيلي في “الضعفاء الكبير” (2/92)، والطبراني في “المعجم الأوسط” (8/174).\
[8] رواه البخاري في “الأدب المفرد” (112) والطبراني في “الكبير” 3 / 175.\
[9] البقرة 185.\
[10] رواه أبو يعلى من حديث جابر بن عبد الله.\
[11] رواه الترمذي عن أبي هريرة.\
[12] غافر 60.\