الحمد لله الملك العلام، القدوس السلام، ذي الطول والإنعام، والعزة والإكرام، نحمده أن هدانا للإسلام، وبيّن لنا الحلال والحرام، وشرفنا بالصيام والقيام، ونصلي ونسلم على مسك الختام، وخير من صلى وصام، وطاف بالبيت الحرام، وجاهد الكفار في شهر الصيام، وعلى آله وصحبه الأعلام، مصابيحَ الظلام، وعلى التابعين لهم بإحسان والتزام.

هلت علينا أعظمُ نفحات الدهر والزمان، إنه شهر رمضان شهر المغفرة والرحمات، شهر يقترن فيه خيران عظيمان هما الصيام والقرآن لا يفترقان. شهر جعله الله مجالا للتوبة والاجتهاد والجهاد، فيه تكثر أبواب الخير وأسباب المغفرة فمن أدركه ولم يغفر له فيه فهو محروم غاية الحرمان.

كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وصالح المسلمين يعظمون هذا الشهر ويدعون الله أن يمد أعمارهم ليشهدوه وينهلوا فيه من صالح الأعمال فكان من دعائه صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان” ويبشر أصحابه بقدومه ويهنئهم به فيقول: “جاء شهر رمضان بالبركات فمرحباً به من زائر وآت”.

اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحبه ويرضاه، هلال رشد ورشاد، وبركات وخيرات، وفتح ونصر وتمكين إن شاء الله.

قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. فتقوى الله إذن هي رسالة رمضان، تقوى الله هي المراد. والقلب هو محلُّ نظر الله إلينا، ومحلُّ قياس تعظيمنا لشعائر الله.

والتقوى هي اجتناب ما ليس به بأس مخافة أن يكون به بأس، وهي الغاية من وجوب الصيام. وردت آيات التقوى في القرآن في أكثر من مئتيّ مَوْضع، وكلها تؤكد أن المتقي يمشي بنور الله.

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله تركُ ما حرم الله وأداءُ ما افترض عليه.

وقال الحسن البصري رحمه الله: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام).

ومن لطائف جلاله المحسوسة المتجلية الظاهرة أن يعظم المؤمن شعائر الله ويهتم بحفظها ويتوجه إلى تحققها بأحسن أنحائه، وهذا المعنى إنما يتحقق إذا تحقق حق التقوى في القلب، فإن التقوى هو حفظ النفس ومراقبتها وصيانتها عن أي خلاف وانحراف حتى يتحصل حق التوجه والخلوص وكلما ازداد التوجه والخلوص، يزداد التوجه والعلاقة إلى تعظيم شعائره تعالى. فيصح لنا القول أن نفس الشعائر علائم لطيفة وآيات دقيقة وشواهد رقيقة تدرك حول مقاماته وكبريائه وعظمته.

التفكر في المنحة الإلهية والهدية الربانية

نحن في حاجة أولا إلى التفكر في عظمة صيام شهر رمضان وقدره عند الله تبارك وتعالى؛ قوله جل جلاله: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ الشهر الذي التقت فيه الأرض بالسماء بالنور القرآني العظيم.

فقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه وغيره أن ابن مسعود الغفاري رضي الله عنه قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم -وأهلّ رمضان- فقال: “لو يعلم العبادُ ما رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنةُ كلها رمضان””، وقد طرح رسول الله صلى الله عليه وسلم السؤال على أصحابه تعظيما لهذا الشهر الكريم فقال -فيما أخرجه ابن خزيمة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله وحيٌ نزل؟ قال: لا. قال: عدو حضر؟ قال: لا. قال: فماذا؟ قال: إن الله يغفر في أول ليلة من شهر رمضان لكل أهل هذه القبلة، وأشار بيده إليها”.

فإذا استقر في الأذهان قدرُ هذا الشهر العظيم وفضلُه على باقي الشهور تنبهت القلوب المؤمنة لاغتنامه، وعقدت العزم الصادق على التقرب فيه إلى رب العزة تعالى فلزمها بذلك. فنعظم ما عظمه الله ورسوله ونفرح أن مد الله في أعمارنا وبلغنا رمضان قال الله تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون وأي فضل أعظم من فضل رمضان.

أخي سنجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لنتأمل بعض أحاديثه الشريفة في فضل شهر رمضان صحبة لأنفاسه الطاهرة، وسنجلس بعد ذلك إلى بعضِ ورثته من الذين كان لهم مع الله شأن فنُنصت إليهم لعل ذلك يوقظ الهمم ويقوي الإرادات لنسمع منادي الفلاح في هذا الشهر الفضيل فنَهُبَّ ونلتاع وننهض للعمل.

– قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: “يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيام نهاره فريضة وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتقا لرقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء، قالوا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم عليه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة، أو على شَربة ماء، أو مُذقة لبن. وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار. واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غناء بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما اللتان لا غناء بكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار. ومن سقى صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة” 1 .

– روى الإمام الطبراني رحمه الله عن سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: “أتاكم رمضان شهرُ بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً فإن الشقيَّ مَنْ حُرم فيه رحمة الله”.

– عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبي قبلي. وأما واحدةً فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله عز وجل إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدا. وأما الثانيةَ فإن خَلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك. وأما الثالثةَ فإن الملائكةَ تستغفر لهم في كل يوم وليلة. وأما الرابعةَ فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها استعدي وتزيني لعبادي أوشكوا أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي. وأما الخامسةَ فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا. فقال رجل أهي ليلة القدر؟ فقال لا ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وُفُّوا أجورهم” 2 .

– وفي الحديث القدسي “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي بِهِ، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أَحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم…” 3 .

– وفي جزء من حديث نبوي آخر “ورأيت رجلا من أمتي يلتهب -وفي رواية يَلْهَثُ- عطشا، كلما دنا من حوض مُنِع وطُرِد، فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه وأرواه”.

“من فطَّر صائما في رمضان من كسب حلال صلت عليه الملائكة ليالي رمضانَ كلها وصافحه جبريل، ومن يصافحه جبريل يرق قلبه وتكثر دموعه، قال رجل: يا رسول الله! فإن لم يكن ذاك عنده؟ قال: قبضةُ من طعام، قال: أرأيت من لم يكن ذاك عنده؟ قال: ففلقةُ خبز، قال: أفرأيت إن لم يكن ذاك عنده؟ قال: فمذقة لبن، قال: أفرأيت من لم يكن ذاك عنده؟ قال: فشُربة من ماء” 4 .

ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين (رحمه الله) -بتصرف يسير جدا-: للصوم زيادةٌ على أثره التربوي فضلٌ في رفع الروحانية وتصفيتها، فهو إمساك الجسم والنفس عن مبتغاهما وتزكية نية القرب إلى الله فتكتسب الروحانية شفافية، إن هذه النفوس أقرب ما تكون للالتئام والتحاب والتعاون إن تهذبت من كدورات الشهوات وسمت عن الماديات، في رمضان تسود روحانية خاصة… فعلى الصائمين أن يحافظوا للشهر المبارك بوظيفته).

وقد قال صلى الله عليه وسلم: “إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته” 5 .

شهر الاهتمام بأمر الأمة

هناك أمر غفل عنه الناس في رمضان ألا وهو عدم استشعارهم أن رمضان شهر الصبر والمصابرة، والجهاد والمجاهدة، والفتوحات والانتصارات، فنجد الكثير من المسلمين إذا دخل رمضان اتخذوه فرصة للراحة، والكسل والبطالة وفضول النوم والطعام، وهو انتكاس خطير في المفاهيم، ينبغي أن نسعى لتغييره على مدى كم من جيل. وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله تعالى-: مَحَبَّة الله تُوجِب المُجَاهَدة في سبيله قطعًا؛ فإنَّ من أحب الله، وأحبه الله، أحب ما يُحِبُّه الله، وأبغض ما يُبْغِضُه الله، ووالى من يُواليه الله، وعَادَى من يُعاديه الله) 6 .

أراد الله أن تعلى في شهر رمضان، الذي شهد بداية تكوين الأمة، راية الجهاد لحماية تلك الأمة، وارتباط الجهاد عمومًا بشهر رمضان هو ارتباط بين رفيقين ارتباط تآلف وموافقة لا ارتباط تنافر أو مصادمة، فرمضان صومه لا رياء فيه، وكذلك الجهاد لا رياء فيه، ورمضان صيامه صبر على تحمل المشقة، وكذلك الجهاد صبر على تحمل المشقة، ومن أجل هذا كان الصوم تدريبًا على الجهاد، بل إنه أحد العوامل الحاسمة في اختيار الرسول لقادة جيوشه، إذ يروى أن الرسول -صلَّى الله عليه وسَلَّم- قد أرسل جماعة من أصحابه لغزو فاختلفوا ورجعوا قبل أن يغزوا، فلما رآهم النبي غضب وقال: “ذهبتم جماعة وجئتم متفرقين، لأبعثن عليكم رجلا ليس بخيركم، أصبركم على الجوع وأصبركم على العطش”، فالصوم والجهاد رفيقان، فلا عجب أن يحفل رمضان بمثل هذه الانتصارات والفتوحات والمعارك التي حولت مجرى التاريخ.

منها معركة بدر الكبرى التي كانت فرقاناً فرق الله به بين الحق والباطل، وأصبح للمسلمين بعدها العزة والمنعة .وفتح مكة، وبها زالت غربة الإسلام الأولى، وسقطت رايات الوثنية في البلد الحرام، وأصبح الإسلام عزيزاً في أرجاء الجزيرة العربية.

وكذلك كان هذا الشهر عند سلف الأمة، فكثير من الأحداث والفتوحات التي كان لها أعظم الأثر في حياة المسلمين وقعت في هذا الشهر الكريم.

يعتبر الصيام من أقوى الوسائل لتربية النفس البشرية على الجهاد، ففي الصيام جهاد للنفس بمخالفة المألوف والخروج عن المعتاد وترك الشهوات بشكل كلي، كما أنه يربي المسلم على الصبر وقوة الاحتمال والتضحية، وهذه كلها من سمات المجاهد في سبيل الله الذي لا يرتضي سبيل المفسدين والمستبدين.

وإن جهاد النفس لهو أشق على النفس لأن الاستقامة على أمر الله هي أكبر من مجرد الامتناع عن الأكل والشرب وما إليهما.

ولا يتم تمام جهاد النفس حتى يمد العبد عينيه إلى ما يكابده الفقير الذي تستوي عنده الأيام بين مد الجوع وجزر العطش وشد الحاجة في رمضان وفي غير رمضان وحتى يتهمم بهموم أمته.

قال الإمام عبد سلام رحمه الله في كتاب إمامة الأمة: لِطول ما عانت الأمة من تعسفٍ واستبدادٍ فَقَدَتْ حِسَّ المبادرة، وفقدت القدرة على الاستقلال بالفكر والتدبير. جماهيرُ مهزومة أمامَ الفقر والجهل والمرض، أمامَ هم السَّكَنِ، أمامَ الخوف من الحاكم، أمامَ عادةِ الخمول المتجذرةِ، الموروثة….. راضون بكل خسف وضيم منصرفون عن الرجولة.

)من هذا الغثاء يأذَنُ الله سبحانه وتعالى أن تنبعث أمَّةُ الخلافة الموعودة. من تلكم الأنْفُسِ المُنهَزِمة وَعَدَ الله ورسوله أن تتخلّق أسْدُ العرين، وحماة الدين، وهم جند الله. من صفاتهم الشجاعة والقوة والصبر واليقين، يجهرون بالحق لا يخافون في الله لومة لائم، متوكلون على الله أقوياء به، قلوبهم مرتبطة به وجوارحهم منشغلة بعبادته ونصرة دينه، شعارهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وغايتهم نيل رضى الله).

أيام الإقبال والاتصال والوصال

اعلم يا أخي كذلك أن رمضان شهر الاجتهاد والاعتكاف، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العبادة ما لا يجتهد غيره من البشر، واجتهاده في شهر رمضان ليس كاجتهاده في غيره من الشهور، واجتهاده في العشر الأواخر ليس كاجتهاده في الأيام الأولى، إذ يخص هذه العشر بكثير من العبادة والذكر والقرآن وغيرها من العبادات.

فعن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها” 7 . وأخبرتنا أنه صلى الله عليه وسلم “إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيى ليله، وأيقظ أهله” 8 . و“كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده” 9 .

وعن أنس رضي الله عنه أنه قال: كان أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم إذا نظروا إلى هلال شهر شعبان أَكَبُّوا على المصاحف يقرؤونها، وأخرج المسلمون زكاة أموالهم ليتقوى بها الضعيف والمسكين على صيام شهر رمضان، ودعا الولاةُ أهْلَ السجن، فمن كان عليه حدّ أقاموه عليه وإلا خلوا سبيله، وانطلق التجار فقضوا ما عليهم وقبضوا ما لهم. حتى إذا نظروا إلى هلال رمضان اغتسلوا واعتكفوا). كانوا يجتهدون في العبادة، فيحيون لياليه بالقيام وتلاوة القرآن، ويتعهدون فيه الفقراء والمساكين بالصدقة والإحسان وإطعام الطعام وصلة الأرحام. فالمؤمن المتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام هو من يقتفي أثرهم في سلوكه واجتهاده.

الاعتكاف عكوف على الجائزة من الحرمان، وقرب أكثر من الملك الوهاب، والاتصال الدائم بالحنان المنان، ونيل لمقامات الإحسان.

اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان إنما هو دليل على طول نفس المجتهد فيه، وعلامة على صلاح بدايته لإشراق نهايته، فكم من واحد اجتهد في الأيام الأولى ثم ما لبث أن انطفأت شمعته، فتهاون في صلاته، ونام عن ورده. نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن السلب بعد العطاء.

يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله: إن الله تبارك وتعالى جعل هذا الشهر معظماً، فاختصه بمزايا كثيرة، وجعله مرحلةً من مراحل الحياة الثمينة، ومحطةً من محطات السير فيها على النهج القويم، يصرف المسلم فيه أعظم همته إلى الله، ويتجه فيه بكليته إلى آخرته، والسمو بروحه قبل مادته، فهو شهر الروحانية وصفاء النفس والمناجاة والإقبال على الله، والاستمداد من القوي العلي الكبير، والاتصال بالملإ الأعلى (…) فشهر رمضان سؤال ومناجاة وهداية ورشاد ليعد الصائمُ فيه نفسه، ويبعدها عن خلط المادة لترقى ببشريتها وتتصل بربها).

قال الإمام الحسن البصري رحمه الله: إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا! فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون! ويخسر فيه المبطلون).

وقال الإمام عبد السلام ياسين في ديوان قطوف 2: رمضانُ وافى، أعْلَنُوهُ على المنابرْ *** شهرُ الهداية والتلاوة والبشائِرْ
شهرٌ به القرآن أُنْزِلَ مُشْرِقاً *** مِنْ نورِهِ اصطَبَحَتْ قلوبٌ والبصائرْ
رمضانُ عاد وقدسنا في قبضة *** عصرتْ بقسوتِها الأسِيراتِ الحرائرْ
رمضانُ بدْرٍ كان عزَّ صحابة *** باعوا نفوساً للإله على المخاطِرْ
صلى الإله على النبي محمد *** فبِحُبِّهِ وبهديه تصفُو السّرائِرْ


[1] رواه ابن خزيمة في صحيحه.\
[2] رواه الإمام البيهقي رحمه الله.\
[3] حديث قدسي، متفق عليه.\
[4] أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة وابن حبان وابن خزيمة رحمهم الله.\
[5] أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود في حديث في الأمانة والصوم وإسناده حسن.\
[6] قاعدة في المحبة: 89.\
[7] رواه مسلم رحمه الله.\
[8] متفق عليه.\
[9] رواه الإمام مسلم رحمه الله.\