الأمة في امتحان

تعيش الأمة الإسلامية في الآونة الأخيرة فتنا ومحنا وحربا ضروسا من قبل أعدائها، تستهدف النيل من قيمها وإفساد أخلاقها وشبابها وتفكيك مجتمعاتها وإضعاف قدراتها ومؤهلاتها وإمكاناتها على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعسكرية، في إطار حملة صهيونية مسعورة مدروسة ومنظمة ومنسقة ومخطط لها سلفا، استخدمت فيها جميع الوسائل القدرة والخدع الماكرة متنكرة لمبادئها وقيمها التي ما فتئت تتبجح بها، الأمر الذي أدى إلى سقوط الأقنعة وظهور من يدعون حماة الديموقراطية وحقوق الإنسان بمظهر المنافق والمخادع بامتياز.

هكذا جند أعداء أمتنا خبراءهم وعملاءهم وإمكانياتهم وأسطولهم الحربي الفتاك وجهازهم الإعلامي المنحاز ونظامهم الاقتصادي المتغول وسلوكهم الثقافي الماسخ لتدمير أمتنا وتمزيق أوصالها وإشعال نيران حروب عرقية وأهلية وسياسية بين أبناء الأمة الواحدة والوطن الواحد في إطار ما اصطلح عليه بالفوضى الخلاقة رغبة منهم في إعادة بناء أوطان جديدة على المقاس، بشكل يخدم أهدافهم ويحقق مبتغاهم ولا يتعارض مع مصالحهم، وينبطح لخياراتهم وإراداتهم.

ولعل ما يسعى إليه أعداء الأمة من خلال هاته الحرب الضروس غير العادلة وغير النبيلة، هو أن ينالوا من عزيمة أمتنا وأن يبثوا في أبنائها وبناتها وطاقاتها وقياداتها وأحرارها وعلمائها روح اليأس والإحباط والقنوط والاستسلام وعدم الثقة واليقين في الله وفي نصره وتأييده وموعوده.

من المسئول عن رفع همة الأمة؟

إن مسؤولية العلماء والدعاة والمفكرين والساسة والمثقفين مسؤولية كبيرة وعظيمة حيال ما يحاك للأمة ويخطط لها، من خلال الصدع بكلمة الحق والتصدي هذا المخطط الظالم والهجوم الغاشم ورفع الهمم وشحذ العزائم والإرادات وبث روح ومعاني اليقين في الله وفي نصره وتمكينه، من أجل تشكيل جبهة موحدة صلبة وقوية ممانعة لهذا الاختراق البغيض ولهذا المخطط الشيطاني المفضوح.

لقد وردت في كتاب الله تعالى وعود قرآنية تعد بانتصار الحق على الباطل، وبانهزام الباطل أمام الحق، وعود تلقاها الصحابة وهم قلة مستضعفون معذّبون مضطهدون، وتعاملوا معها بيقين وثقة، وأمل وبشرى.. وثبتوا على الحق، وواجهوا الباطل، وقطعوا الفترة المكية، وهم موقنون بتحقق هذه الوعود القرآنية، ولما هاجروا إلى المدينة جاهدوا في سبيل الله، وهزموا أعداء الله، وحقق الله لهم تلك الوعود المأمولة، ففتحوا أمصارا وأقطارا وأسسوا دولة إسلامية مكتملة الأركان وعمرانا أخويا عماده المحبة والإخاء والعزة والكرامة والعدل والمساواة، لا فضل فيه لعربي على عجمي إلا بالتقوى.

قال الله تعالى في سور ة الأنبياء: ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ [الأنبياء: 9]. الشاهد عندنا في هاته الآية هو الإخبار عن الرسل السابقين، حيث كان الله يعدهم وعداً قاطعاً، بأنه سوف يفتح بينهم وبين قومهم الكافرين، وينهي المواجهة معهم، ويجعل العاقبة لهم، وكان الرسل واثقين من تحقق وعد الله، منتظرين وقوعه.

وكان الله يصدقهم الوعد، في الوقت الذي يحدده سبحانه، وبالكيفية التي يختارها عز وجل، فينجيهم هم وأتباعهم، ويهلك أعداءهم الكافرين المسرفين.

وقال تعالى أيضا في سورة الأنبياء: وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ، لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تسألون، قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَمَا زَالَت تلك دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ [الأنبياء: 11-13]. وقال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 105-107].

الكلام في هذه الآيات عن وراثة الأرض، ومستقبل عباد الله الصالحين، وعن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم للعالمين. آيات تتضمن وعداً قرآنياً بالتمكين للإسلام، ونصرة أتباعه الصالحين.

وهذا الوعد ليس خاصاً بالقرآن فقط، بل ورد في كتب الله السابقة، وأنزل على رسل سابقين.

تعلمـوا اليـقين

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه”.

من خلال هذا الحديث يحثنا الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام على تعلم اليقين في الحق سبحانه وفي نصره كما نتعلم القرآن، وهنا نذكر بقصة الخندق التي أراد من خلالها معلمنا صلى الله عليه وسلم أن يلقننا درسا بليغا في اليقين والثقة في نصر الله ووعده رغم المحن والإحن.

ففي سياق غزوة الخندق أتت جموع الأحزاب إلى المدينة، تروم استئصال المسلمين؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة، وبينما هم يحفرون عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول، ووضع رداءه ناحية الخندق، وقال: وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (الأنعام: 115).

فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان في الخندق وأخذ المعول من سلمان رضي الله عنه فقال: “باسم الله” ثم ضربها فنثر ثلثها وخرج منها نور أضاء ما بين لابتيها يعني لابتي المدينة، فقال: “الله أكبر أعطيتُ مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة من مكاني”، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فبرقت برقة من جهة فارس أضاءت ما بين لابتيها، فقال: “الله أكبر أُعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن فأبشروا بالنصر”، فسُرَّ المسلمون، ثم ضرب الثالثة وقال: “باسم الله” فقطع بقية الحجر وخرج نور من قبل اليَمَن فأضاء ما بين لابتي المدينة حتى كأنه مصباح في جوف ليل مظلم، فقال: “الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة”.

فما أحوجنا إلى الداعية المُبشر لا المنفر، المُيَّسر لا المُعسِّر، المعتدل لا المتنطع، المتوسط لا المتكلف. الداعية الذي يغرس في نفوس الناس والنشء بذار الإيمان والثقة بنصر الله، والذي يؤكد للناس مرارًا أن الدائرة للإسلام وأن الله متم نوره وأن الغلبة لدينه والعاقبة لأوليائه والتمكين لجنوده والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.

ما أحوجنا إلى العالم المتبصر والمفكر المتحرر والمثقف المحافظ والسياسي المحنك، المنافحين عن أوطانهم وأمتهم وقيمهم وهويتهم وحضارتهم وثقافتهم، لا من يتنكرون لأوطانهم وأبناء جلدتهم وينسلخون عن هويتهم ويصبحون معاولا للهدم والتخريب من حيث لا يدرون أو عن سبق الإصرار والترصد، بغية تحقيق مصالح شخصية ومنافع دنيوية بئيسة.

لا يهزم جيش فيه القعقاع

ولنا أيضا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وأنموذجا يقتدى به في باب اليقين الذي تعلموه من المعلم صلى الله عليه وسلم، وهنا نورد على سبيل المثال لا الحصر القصة الأتية:

حينما أمر أبو بكر الصديق خليفة رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قائد جيوشه خالد بن الوليد بالتوجه إلى العراق لمواجهة جيوش الفرس، طلب خالد أن يمده بجنود إضافيين من المسلمين بعد أن استشهد عدد كبير من أفراد جيشه في حرب الردة. فأمده أبو بكر بالقعقاع بن عمرو التميمي، فقيل له: أتمد رجلا انفض عنه جنوده برجل؟ فقال أبو بكر: لا يُهزَم جيش فيهم مثل هذا)، في إشارة للقعقاع.

يقين ما بعده يقين عند سيدنا أبو بكر الصديق في نصر الله وتأييده لجنده.

وفعلا تواصلت مشاركة القعقاع في مواقع كثيرة أبلى فيها خير البلاء وحقق المكاسب لجيش المسلمين في فتوحات العراق والشام، وفي معركة “ذات السلاسل” بقيادة خالد بن الوليد سيف الله المسلول رضي الله عنه.

ما سر انتصار المسلمين في غزوة بدر وهم قلة عددا وعدة؟

انتصار المسلمين في غزوة بدر الكبرى كان بسبب وجود قيادة تتوفر فيها صفة الربانية من خلال قوة إيمان القائد والمعلم صلى الله عليه وسلم ويقينه في موعود الله جلت قدرته.

حيث لجأ وأناب الرسول الكريم إلى ربه عز وجل في تلك الليلة وهو في غاية الافتقار إلى الله تعالى يبكي ويتضرع ويستمطر النصر والتأييد ويبسط كفيه عاليا بين يدي مولاه حتى أشفق عليه أبا بكر. دون نسيان أن القائد صلى الله عليه وسلم كان يُبشر الصحابة بالنصر ويقول لهم: هنا مصرع فلان هنا مصرع فلان.

تحقق الانتصار في بدر لوجود قيادة تؤمن بمبدأ الشورى، لوجود قيادة محبوبة ومطاعة وهنا يكفي أن نورد ما قاله المقداد بن عمرو وما قاله سعد بن معاذ رضي الله عنهما، لنكتشف أن الطاعة للقائد من أسباب النصر في غزوة بدر الكبرى.

والله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك…).

هي أسباب ثلاثة نستخلصها من بدر الكبرى، فما أحوج أمتنا إلى قيادة ربانية محبوبة مطاعة غير مستبدة، وما أحوجنا في وقتنا الحاضر إلى الرجال وإلى الطليعة المجاهدة التي تقتحم العقبات وتُساهم في بناء ما انتُقض بعد الصحابة الكرام، كما أننا في حاجة ماسة إلى صدق التوكل على الله واليقين في موعود الله عز وجل بالنصر والتمكين. والله الموفق.