حاصرتني هذه الخواطر والأسئلة بينما كنت واقفا في قاعة الامتحان أمام زمرة من المترشحين أؤدي واجب المراقبة التربوية في امتحانات البكالوريا التي اعتاد المسؤولون أن يشنفوا أسماعنا بترديد عبارة “استحقاق وطني” كلما أثير موضوعها، فوجئت من الطريقة التي يُعَامَلُ بها التلاميذ، يتم تمرير الجهاز الكاشف بمحاداة أجسادهم الغضة، لتختلف ردود أفعالهم بين مذعور مرتبك، وآخر مندهش متعجب، وثالث متهكم ساخر مستهزئ…!!

سؤال السياق:

يأتي هذا الإجراء (الأمني) الاحترازي في سياق وطني ذي بعدين اثنين: عام رُفِعَ خلاله شعار “محاربة الفساد والاستبداد” طويلا، وخاص انفجرت خلاله فضائح متوالية تَأَكَّدَ من خلالها أن الأمر كان مجرد كلام في كلام في كلام… فليس من قبيل الصدفة أن تتزامن فضائح الإباحية والرذيلة والتطبيع مع الفاحشة (رقصة لوبيز وفيلم نبيل عيوش وحركة فيمين) وتقدم على مائدة واحدة لجماهير التلاميذ –خاصة- وهم في طور الاستعداد للامتحانات الإشهادية، وللشعب المغربي الأبي المسلم –عامة- وهو يستعد لاستقبال شهر المغفرة والرحمة والرضوان… في هذا السياق قامت الدنيا ولم تقعد حول ظاهرة الغش في الامتحانات، لتتفتق العبقرية الحاكمة عن حل مفاده توظيف جهاز كاشف يفضح كل المدججين بأسلحة الهواتف المحمولة والأجهزة الالكترونية لمواجهة شبح الامتحان.

سؤال المقاربة:

ما يحز في النفس صراحة هو هذه المقاربة الكاريكاتورية التي لا تزيد المتأمل إلا اقتناعا راسخا بأن “العبث” وحده هو من يقود سفينة هذا البلد الأمين… “العبث” !!هل قُلْتَ “العبث”؟! نعم “العبث”… وأعني ما أقول… وأضيف إليه شيئا آخر هو “التهكم” والضحك على الذّقون… فما معنى أن يقتصر في محاربة ظاهرة الغش على مؤسسة المدرسة فقط؟! ما معنى أن نُشْعِرَ بل أن نتهم مسبقا التلميذ بأنه الوحيد الذي يتعاطى للغش؟ ! مع أنه يعرف حق المعرفة بأن الغش صار كالماء والهواء حاضرا حيثما وجهت وجهك، بل صار “موضة” العصر بعدما شوهت القيم ومسخت مسخا انقلبت أبعادها رأسا على عقب… ومن ثمة فإن الأمر يستدعي مقاربة شمولية تستدعي استحضار كل الأطراف وكل الأبعاد وكل المؤسسات (الأسرة، الإعلام، المجتمع المدني، المسجد …)، كما لا تتورع عن استدعاء كل المسؤولين من مختلف المواقع والزوايا (سياسية، اقتصادية، ثقافية، اجتماعية).

سؤال البدائل:

إن إصرار المسؤولين على محاربة الغش بالتركيز أساسا على الهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية الحديثة، يعني بالضرورة حث المترشحين على التفكير في اختراع تقنيات أكثر ذكاء لتعطيل عمل هذا الجهاز الكاشف، أو في ابتكار وسائل غش جديدة لن يكون بإمكانه ضبطها أو اكتشاف سرها، بل سيكون مدعاة للعودة القهقرى إلى الوسائل القديمة لأنها تبدو أنسب وأليق وأوفر أمنا وسلاما (الحروز المكتوبة بخط اليد، أو المصغرة بآلة النسخ).

سؤال الفضيحة الجديدة:

وما يثير العجب والاستغراب فعلا هو أنه وسط هذه الضجة، وفي أثناء هذا الصخب الإعلامي المثير للجدل، تتفجر فضيحة من العيار الثقيل، تتمثل في اعتراف رسمي من الوزارة الوصية بأن امتحان مادة الرياضيات سُرب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأن الكثير من المترشحين وقفوا على حقيقة هذه الفضيحة صبيحة الامتحان، امتلك بعضهم جرأة الصراخ والاحتجاج والمقاطعة، فيما فضل الكثير منهم الصمت، واكتفوا بتبادل النظرات المستغربة، والهمسات المستنكرة، وهذا ما يطرح تساؤلا مشروعا بكل المقاييس: لماذا لم يوظف هذا الجهاز العجيب في فضح المتورطين الحقيقيين في فضيحة لطخت سمعة الوطن ككل، وضربت عُرْضَ الحائط شعارات “الإصلاح والجودة وتكافؤ الفرص والمصداقية…”؟!

سؤال العلاقات (تلميذ/ أستاذ):

ما لم ينتبه إليه أصحاب هذا الحل غير السحري هو أن توظيف هذا الجهاز أيام الامتحانات، وبالطريقة نفسها التي يوظف فيها مع المشتبه فيهم في مخافر الشرطة وفي المطارات والمحطات، يُسَمِّمُ العلاقات بين طرفي العملية التعليمية، ويجعلها علاقات مهزوزة إلى أبعد الحدود، ويفرغها من كل المعاني الجميلة المفروض توفرها داخل الفصول الدراسية، إذ لم يعد ثمة حديث عن تواصل إيجابي، ولا عن حب، ولا عن تقدير واحترام، ولا عن عطاء وبذل، ولا عن تسامح ولا تواضع… مادام الأمر يتم بهذا الشكل الاحترازي القائم على أن التلميذ متهم إلى أن يثبت براءته، والواقع أن الإنسان عموما كما تنص على ذلك مختلف الشرائع والقوانين “بريء إلى تثبت إدانته”.

سؤال المحاسبة:

تصوروا معي لو أن هذا الجهاز الفاضح، وظف لكشف كل الغشاشين في ربوع الوطن الغالي، ولو أنه تم تمريره بمحاداة أجساد كل المسؤولين وكل الرعاة، “كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته”: وزراء، رؤساء مصالح، ولاة، عمال، باشاوات، قواد، قضاة، جنرالات، مدراء أبناك وشركات، مفتشون، أطباء، مهندسون… كم مرة تتوقعون أن يصرخ هذا الجهاز؟ كم من الفضائح المزلزلة سيفضح؟ كم من الغدرات والفجرات وكم من الخيانات ستجعله ينفجر بدل أن يصرخ…

خلاصة القول، إن المقاربة الأحادية لظاهرة الغش تبقى فاشلة بكل المقاييس، لأن هذا التلميذ الذي نطالبه بالاعتماد على نفسه يدرك يقينا حجم الانفصام الحاصل بين الخطاب والممارسة بمجرد خروجه من دائرة فصله الدراسي، إنه يعلم يقينا أن الغش حاضر في كل شؤون حياتنا بدون استثناء: في الانتخابات وفي المكاييل وفي الخضر والفواكه وفي الزيت والسكر وفي جدران المساكن وأثاث المنازل وفي الملابس وفي وسائل النقل وفي الأدوية وفي خطب الجمعة ونشرات الأخبار… لن يقتنع بكلامنا مهما نمقناه وجملناه، ولن يقلع عن التعاطي للغش إلا عندما يشعر فعلا بأن مجتمعنا صار يحاسب ويدين وينزل أشد العقوبات بكل الغشاشين مهما كانت انتماءاتهم السياسية ومواقعهم الاجتماعية، وبأن شعورنا الجمعي أعاد لقيم النزاهة والاستقامة والصدق والوفاء معانيها الحقيقية.

همسة أخيرة أهمسها في أذن المسؤول الأول في وزارة التربية الوطنية، ما دمت معجبا حد النخاع بالثقافة الفرنسية بدليل تصريحك لقناة (France 24) أنك لا تحسن الحديث باللغة العربية وأنك تفضل الحديث باللغة الفرنسية، لماذا لا تمتلك الجرأة السياسية التي امتلكتها وزيرة تعليم فرنسية قدمت استقالتها عندما سُرِّبَ امتحان البكالوريا ذات سنة دراسية؟

يا ليت نخبنا المغربة المنبهرة بهذا الغرب العجيب الغريب تقتفي أثره وتقلده في ما يعود بالنفع على جماهير أمتنا المقهورة المغلوبة على أمرها.