لطالما آمنت بأن مخرج المغرب من معضلته يكمن في المعرفة والعلم، فأكثر ما يعيق تقدم بلدنا هو عدم المعرفة وعدم الاهتمام بها كوسيلة انطلاقية للتقدم والازدهار، وهذا أمر بديهي ما دامت البلدان التي خطت نحو التقدم ما خطت إليه إلا باهتمامها بالعلم والتعلم والبحوث والمعرفة.

أمريكا تقدمت بعد أن نزحت إليها العقول الأوروبية، والصين تقدمت مباشرة بعد ثورتها المعرفية، وكذلك فعلت معظم دول أوروبا واليابان وروسيا وكل من شق معهم طريق البحث وآمن بالمعرفة كوسيلة أساسية للتقدم والازدهار في مختلف المجالات.

وعندما يصاب هذا الجزء الحيوي في جسم الدولة بأمراض مميتة فطبيعي أن تكون أطرافه مريضة هي الأخرى، ولذلك فلا عجب في أن نرى المدن الكبرى تعيش حياة العشوائية والتخلف، وقد قالوا قديما أن معرفة قرية صغيرة في بلد ما كاف لمعرفة سائر البلد وأظنهم أصابوا كبد الحقيقة!

المشكل الأكبر هو أن بلدنا لا يريد أن يهتم بالمعرفة، فالعمى حجب على العيون إبصار الرؤية الصحيحة البارزة والنتيجة استمرار للتخلف إلى زمن لا علم لنا ولا دراية بوقت حلوله ووصوله.

الأحداث التي جرت في الأسبوع الماضي والتي ستستمر إلى وقت لا علم لنا به، هو نتاج لتسطيح المعرفة، ففي أي مجتمع يوجد أناس لهم اهتمام بمعرفة التطورات، ولفقدان انتاج التطورات المعرفية في البلد توجهت الأنظار ناحية التسطيح، وقد بان ذلك في موازين وفيلم عيوش وتصريحات الكاتب الروائي الجزائري المعروف صاحب (ضربة جزاء) و(الحلزون العنيد).

إن النتيجة نتيجة حتمية، فعندما تغيب المعرفة يظهر التسطيح، وبدل أن نستورد المعرفة الحديثة من الغرب صرنا نستورد المغنيات الماجنات والأغاني المخلة، فهدمنا بذلك قيمنا وأخلاقنا الإسلامية التي لو كنا عرفناها وتعلمناها واهتممنا بها لما وصلنا إلى هذا التسطيح الذي أذلنا حتى صار كل من “تلف” وفقد السبل ينط إلى المغرب ويتعرى ويلتقط الصور في الساحات والأماكن الأثرية التي كانت قبل أن نتسطح مفخرة للأمة كما كانت أخلاق أجدادنا وآباءنا التي اندثرت مع رحيلهم ورحيل العلماء الذين قاسوا الصعاب ليجددوا الأمة، فهذا الإمام محمد عبده يقول قبل أكثر من قرن: من يريد خير البلاد، فلا يسعى إلا في إتقان التربية! وبعد ذلك يأتي له جميع ما يطلبه). ويكرر بطريقة مثلى بأننا إذا استقرينا أحوال المسلمين للبحث عن أسباب الخذلان، لا نجد إلا سبباً واحداً: وهو القصور في التعليم الديني، إما بإهماله جملة -كما في بعض البلدان- وإما بالسلوك إليه من غير طرقه القويمة ـ كما في بعض آخر). ولكننا بالرغم من ذلك ما نزال نبحث عن المشكلة.

وهذا جمال الدين الأفغاني الذي لم يكن يخاف في الله لومة لائم يقول: لابد من حركة دينية تهتم بقلع ما رسخ في عقول العوام ومعظم الخواص من فهم بعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها الحقيقي، وبعث القرآن وبث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور وشرحها على وجهها الثابت بحيث يأخذ بهم إلى ما فيه سعادتهم دنيا وآخرة، ولا بد من تهذيب علومنا وتنقيح مكتبتنا ووضع مصنفات فيها قريبة المأخذ سهلة الفهم لنستعين بها على الوصول إلى الرقي والنجاح). ويضيف في موضع آخر، أنه لا أمة من دون أخلاق ولا أخلاق من دون عقيدة ولا عقيدة من دون فهم).

هذان العالمان من أبرز رواد الفكر الإسلامي أواخر القرن التاسع عشر، وجاء من بعدهم آخرون كالمودودي والشيخ المجدد عبد السلام ياسين ومالك بن نبي، والمهدي بن عبود، والزنداني، وإبراهيم بن علي الوزير، والغزالي، والشعراوي، ويس رشدي، ومحمد عمارة، وكمال أبو المجد، وآخرون لا ينقصون عنهم علما وفكرا، فلو كان اهتمامنا قليلا بمعرفتهم الواسعة التي ألقيت كدروس منتظمة وكتبت في الجرائد والمجلات والكتب لكنا عرفنا كيف نحافظ على أخلاقنا، ما كان سيعطينا مناعة لاكتساب المعرفة الحديثة وبالتالي لأسهمنا في الحضارة الكونية ولحاربنا الفساد والمفسدين ولأظهرنا صورتنا الصحيحة بالكلمة الطيبة والفعل الحسن والمعارف والعلم، والتربية للغربيين قبل أن يتجرؤوا بنشر فسادهم في أرضنا.

إن لدينا قرآنا يتلى آناء الليل وأطراف النهار، ورسول كريم، وعلماء مرت عليهم الأهوال من أجل نشر فكرهم الحضاري لتكوين وتجديد الأمة، لكننا تخلينا عن الاهتمام بالفكر والمفكرين من أبناء جلدتنا، الأقدمون منهم والجدد. ومقابل ذلك، انجررنا تجاه ثقافات غربية قادت معظمنا إلى تبنيها كثقافة يومية لما فيها من ملذات آنية ووقتية، وهذا ما جعلنا أذلة ويدا مستساغة ضعيفة في أيدي المفسدين والمتفاخرين بالبغيان والضلال. فمتى نعي الدسائس ومتى نعطي القيمة لعلمائنا ولمفكرينا؟ ومتى نعي أن لدينا أناسا لو كنا تتبعناهم وفهمناهم وقرأنا لهم لصاروا مفخرة لنا ولصرنا مفخرة للدين وللأمة؟