المنتوج الروحاني، من محاضرات وندوات وتدريبات ومؤتمرات، الأكثر رواجا في سوق الدعوات عبر الشبكة العنكبوتية، له نجوم أبدعوا في تسويقه [إيكهارت تول، ديباك شوبرا، واين داير، لويزا هاي، فيل دونالد وواش.. وغيرهم كثير] لهم تأثير غريب في مريديهم بدعوى تحريرهم من تعصب الأديان!

ترى هل الأديان أعلنت فشلها في إحياء روحانية الإنسان ونشر الأمن والسلام في العالم؟

سؤال يجيب عنه تاريخ البشرية وواقع السياسة العالمية وما يشهده العالم من بؤر التوتر، والباحث المتتبع لتطورات انتشار ثقافة الدم والانتقام غالبا ما يكون إطارها المرجعي فهم تعصبي لدين معين!

هؤلاء الروحانيون الجدد يستشهدون بنصوص دينية من هنا وهناك ليثبتوا لمحبيهم أنهم طلاب الحقيقة وأن الحكمة ضالتهم، وليسوا فتيلة نقمة ونار فتنة للبشرية، تتضمن رسائلهم المفعمة بالأمل والإيجابية والتبشير بالنجاح والوفرة! بمختارات من التورات والإنجيل وتعاليم بوذا وسير الأنبياء والمرسلين والفلاسفة والأدباء ومن بصموا تاريخ الدنيا بإبداعاتهم ومواقفهم الإنسانية، وأشعار العارفين كالمثنوي لابن الرومي وابن عربي وغيرهم رحمهم الله.

إن من التسويق الروحاني لسحرا

رب سائل يسأل: أين تكمن قوة خطابهم الساحر؟ تعرف كتبهم رواجا منقطع النظير وترجمات إلى جميع اللغات العالمية، وعروض تنقل مباشرة عبر النت تتابعها الملايين من المعجبين والمعجبات من يهود ونصارى ومسلمين وبوذيين وغير متدينين…

لماذا يلجأ الشباب لهؤلاء الروحانيين الجدد وكلهم استعداد للجلوس بين أيديهم وكأن على رؤوسهم الطير؟ هل فقدت الأديان روحانيتها وعجزت رموزها عن تجديد خطابها وتحسين أداء تواصلها مع من تدعوهم لتوقظ في كيانهم الأسئلة الوجودية المحاصرة بسيل عارم من الإيديولوجيات وثقافات الاستهلاك المجردة من سؤال المعنى؟

هؤلاء الروحانيين الجدد تجد بين سطور مكتوباتهم وعروض ومرئياتهم ونبرات مسموعاتهم وثنايا خطاباتهم في الجملة أسئلة مكثفة تستدرج المتتبع ليسأل نفسه: من أنا؟ ولماذا أنا موجود؟ وما هو قدري في هذه الحياة؟ وهل بعد هذه الحياة حياة أخرى؟ ولهم برامج تنشيطية تعتمد في الغالب على التأمل والصمت ونمط حياة صديق للبيئة ومناهض لشراسة العولمة لكن بآليات العولمة! وروح المنافسة! وحب الدولار الولود الودود!

أين انزوت روحانيتنا؟

أمام إقبال شباب المسلمين خاصة المتعطشين لهذا النوع من التسويق الروحاني، من حقنا نحن المسلمين أن نسأل عن موقع روحانيتنا في الإسلام؟ أين اختفت وانزوت؟ إن كانت الديانات السماوية من يهودية ومسيحية نشأت مضطهدة منذ ولادتها وكاد لها قتلة الأنبياء والمرسلين وأعداء الدين بوأدها في مهدها، وأدانها التاريخ بتهمة تورط الرهبان في انحرافها، فإن الإسلام دين مكتمل الأركان، لم يترعرع في جنح الظلام، ودهاليز السرية لتمسه عفونة التضليل والتزوير بل اشتد عوده واكتمل تحت أشعة شمس التاريخ الساطعة. يقول تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا 1 ديننا محجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.

لم تكن تعاليم الإسلام السمحة طقوسا تفرض التزاما يسقف دين معتنقيه، ولا يمكنه تجاوزه في تقربه إلى خالقه، لهذا يصطلح على الراجع إلى ربه عز وجل بالتائب وليس بالملتزم ، لأن علاقته بربه لها خصوصية لا يمكن قياسها بالقوانين والعقود والالتزامات السائدة بين البشر، بل من مقتضيات عبودية الله عز وجل أن لا يكون المخلوق مجرد مرؤوس لرئيسه الخالق بل محبا لمعبوده المحبوب، إنه رباط دينامي، كله حيوية متجددة وتطورا يعرف مدا وجزرا وقربا وبعدا وروحانية تحن إلى خالقها وبارئها، يقول تعالى لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر 2 إنه مشروع رحلة حياة الإنسان الدنيوية، حياة الكبد والكدح المفروضة عليه اضطرارا، ولا اختيار لمن يريد الآخرة والفوز بربه غير اقتحام العقبات النفسية الداخلية، والاجتماعية السياسية الخارجية المعيقة له عن رضى ربه عنه في الدنيا والآخرة.

لنحيي روحانيتنا الضائعة

لذا كان لزاما على المسلمين أن يكتشفوا روحانيتهم الضائعة المنزوية في ركن من تاريخ انكسر زمانا وما انجبر، فأصبحت روحانيتهم منقوصة تنادي على استحياء من يستجيب للخلاص الفردي، روحانية متغافلة عن مصير الأمة وما تعانيه من تشرذم واستضعاف من لدن أنظمة حكم مستبدة ومستبلدة لشعوبها، روحانية كسيحة في عالم يزداد صغره يوما بعد يوم بما تشهده التكنلوجيا التواصلية الذكية من هيمنة على يوم الإنسان وليلته، وعلى نمط حياته و رؤيته الازدرائية لنفسه أمام مرآة وجوده، أصبح شيئا من الأشياء وعلبة استهلاكية أفقها دنيا بلا آخرة. وكلما تزايد عدد الدهريين الجدد نشط رواج سوق الروحانيين الجدد في بيئة لسان حال أهلها يقول: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر.

لعل تمرد الشباب على الإسلام النفطي المنحبس الحاضر بقوة عبر الفضائيات والنت، شكل ردود أفعال متطرفة في مواقفهم المتأرجحة من تكفير المسلمين والجهاد القتالي لإقامة الدولة الإسلامية الرهيبة! إلى تبني إسلام نيو ليبيرالي يجمع بين التدين والنجاح المادي في الحياة والارتقاء النخبوي في المجتمع والابتعاد عن كل ما يشكك في مشروعية حكم العسكر في مصر.

الروحانية والقلق الوجودي

إن الروحانيين الجدد يسوقون بضاعتهم في أوساط الناس الفارغة أفئدتهم من سؤال المعنى بالطريقة الأنسب للإنسان المعاصر، هذا الإنسان الطموح لتحقيق ذاته قبل وعيه بمخلوقيته وأكرميته، يسهل سقوطه في شباك فلسفة مسكنة لصداع قلقه الوجودي أو فخ تدين منقوص جاف من الروحانية رصيده التاريخي يذكر بجنون الحرب وصراعات دموية بين قاتل ومقتول يكبران ويهللان ويحوقلان ويسبحان ويحمدلان.. ملاحم! ضحاياها مدنيين عزل من أطفال ونساء، وأحداث 11 شتنبر 2000 الكئيبة وقانون الإرهاب..

قد يحسب للروحانيين الجدد إثارتهم للأسئلة الوجودية المغيبة في زمن الثورة الرقمية، لكنهم لا يروون السائلين المتعطشين إلى ماء الحق والحقيقة! نعم، قد يحررونهم [إلى حد ما] من التعصب الديني، ويرغبونهم في اكتشاف صمتهم الباطني بجلسات الاستغراق في التأمل أو العزلة عن الحياة الاجتماعية، أو الخوض في مغامرات غير محسوبة العواقب، لكنها في نهاية المطاف تجارب وراءها مال وأعمال ودولارات تنفق على جودة كل منتوج يبيع الوهم للحيران!

روحانيتنا في عبوديتنا القلبية الجوارحية

أمام هذا التيار الجارف من ذوي الهمم التائهين، يمكن للمسلمين الاجتهاد في عرض بضاعتهم الإحسانية إن اكتشفوا بمنهاجهم النبوي مفاتيح التواصل العميق مع شخصية الإنسان المعاصر المعرض عن رحمة ربه، ليجدد صلته به عبر مراقي إيمانية تزيد روحانيته شفافية وفاعلية في واقعها الملموس، إنها عبودية قلبية وجوارحية مسترشدة بالاتباع للنبي المختار صلى الله عليه وسلم، قطب رحاها حب الله جل جلاله.أخرج الإمام أحمد عن أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه أن الوثنيين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: يا محمَّد! انسب لنا ربَّك؛ فأنزل الله تعالى: قُلْ هو الله أحَدٌ * الله الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ ولمْ يُولَدْ * ولمْ يَكن لهُ كُفُواً أحَدٌ 3 .

فكانت هذه السورة توجيهاً من الله لرسوله ليعلن للناس من خلالها أنَّ الإله الَّذي يعبده ويدعوهم لعبادته هو الله الواحد الأحد الَّذي لا شريك له، ولا شبيه ولا نظير، إنْ في ذاته أو صفاته أو أفعاله 4 .

هذا ويظل قوس السؤال مفتوحا: ما المقصود من الدين والروحانية؟ وما موقع روحانية ديننا من ظاهرة الروحانيين جدد؟


[1] أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان العدل قال: أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي، قال: حدثنا جعفر بن عون قال: أخبرني أبو عميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، فقال: أي آية هي؟ قال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) فقال عمر: والله، إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والساعة التي نزلت فيها على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عشية يوم عرفة، في يوم جمعة. رواه البخاري، عن الحسن بن صباح. ورواه مسلم، عن عبد بن حميد، كلاهما عن جعفر بن عون.\
[2] المدثر: 37.\
[3] الإخلاص آية 1-4.\
[4] انظر الرابط التالي: http://www.khayma.com/ayat/allah.htm\