على إثر حادثة تسريب امتحان الرياضيات في بعض مسالك الباكالوريا وهو ما أثار ضجة وطنية كبرى اعتبرت ما وقع فضيحة وكارثة، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ منير الجوري، الباحث في قضايا التربية والتعليم والمستشار في التوجيه التربوي، للغوص أكثر في القضية وتداعياتها وتوسيع الرؤية حول أزمة التعليم. فإلى نص الحوار:

كيف تقرأ حدث تسريبات البكالوريا الذي حصل أمس في مادة الرياضيات؟

أعتقد أن تسريب امتحانات البكالوريا كارثة وطنية وجريمة تعليمية، لأننا نتحدث عن شهادة تعكس رمزيتها، حسب النظام التعليمي المغربي، جزءا هاما من مصداقية ونزاهة المدرسة المغربية. وباهتزازها يلحق الضرر كل مناحي الحياة التعليمية والاقتصادية والاجتماعية. وأستطيع أن أقول أن شهادة البكالوريا المغربية، ورغم كل ما تعرفه منظومة التعليم من إخفاقات، ظلت تتمتع بنوع من الاعتراف الذي ظل لصيقا بها منذ سنوات المجد البائد. لكن أمام مثل هذه الضربات نكون قد أجهزنا على آخر ستار يغطي عورة الانحدار الذي تقبع فيه منظومتنا ويؤهل فيه مستقبلنا.

أصدرت الوزارة، في مرحلة أولى، بلاغا لتهدئة الأوضاع، وشددت على أنها لن تتسامح مع من يشوش على امتحانات البكالوريا. كيف استقبلتم البلاغ؟

البلاغ الأول للوزارة كان كارثيا على نفسية التلاميذ، لأنه جاء مشوشا وغير واضح ومتردد، في وقت كانت حاجة التلاميذ ملحة إلى لغة الطمأنة والاعتراف. وكنا ننتظر أن تعلن الوزارة على موعد لإعادة إجراء الامتحانات، لكنها تحدثت في بلاغها بلغة من يشكك في أمر التسريب في وقت كان الجميع قد اطلع على تطابق الموضوعين المنشور على الفيسبوك وذاك الذي وزع على التلاميذ في قاعة الامتحان. بدت الوزارة مرتبكة وعاجزة عن تدبير الأزمة بشكل سريع وصحيح، وهذا زاد من احتقان الأجواء وتوسع دائرة الاحتجاجات.

قال بلاغ الوزارة أنها ستفتح تحقيقا في الموضوع لتحديد المسؤولية، من تتوقع أن يكون مسؤولا عن هذا التسريب؟

مسؤولية كل من الدولة والحكومة والوزارة الوصية على التعليم ثابتة، لأنها قصرت بشكل كبير في اتخاذ الإجراءات اللازمة والتدابير الوقائية الناجعة والقادرة على عدم حدوث أي تسريب، لذلك فإن السعي إلى فتح تحقيق من أجل البحث عن نقطة التسريب وتعليق كل المسؤولية على إداري مستهتر فاسد الذمة، هو تهريب للمحاسبة واختزال لها.

فحتى وإن سلمنا بأن التسريب قد تم على مستوى إحدى مصالح التدبير التقني لامتحانات البكالوريا، فإن ذلك لا يجعل المسؤولية مقتصرة على حدود تلك المصلحة. ويجب أن يعاقب كل مسؤول من أي موقع على هذه الكارثة. إذ كيف يمكن لوزارة أن تكون آخر من يعلم بهذا التسريب الذي تم على الأقل قبل ست ساعات على انطلاق الامتحانات؟ كيف تغيب وزارة ودولة عن مواقع التواصل الاجتماعي وهي فضاءات باتت طيلة الليل مفتوحة يتبادل فيها التلاميذ الموضوع المسرب؟ كيف تتأخر وزارة عن اتخاذ التدابير اللازمة بتأجيل الامتحان أو توزيع الموضوع الاحتياطي خلال الست ساعات المتاحة؟ أقول هذا ونحن نعلم أنه عندما تتوفر الإرادة الحقيقية فإن الدولة تعبئ كل إمكانياتها لتدارك أكبر من مجرد تسريب.

هناك من يدعو إلى استقالة وزير التعليم كنوع من المحاسبة من أعلى مستوى، هل هذا ما تقصد؟

الأكيد أن هذه الاستقالة ستحمل نوعا من الرمزية والاعتراف بالمسؤولية، لكن المحاسبة التي أقصد لا تتعلق باستقالة وزير لا صلاحية له أصلا، بمعنى أن وجوده أو غيابه لن يغير من معادلة الأزمة التعليمية شيئا. يجب بداية أن نحدد مكامن الخلل والمسؤوليات. هل يتعلق الأمر فقط بعملية تسريب عابرة أم بظاهرة انهيار لقيم النزاهة والضمير والمسؤولية داخل إداراتنا؟ هل محاربة الغش الذي اختارته الوزارة شعارا لامتحانات البكالوريا لهذا الموسم، هل هو ظاهرة تخص الوسط التعليمي أم أنها تعم كل مظاهر الحياة اليومية التي تدبر بها الدولة قضايا السياسة والاقتصاد والاجتماع؟ هل اختلالات منظومة التعليم التربوية والتعليمية قبل التدبيرية والتقنية مرتبطة فقط بثغرة معزولة لتسريب امتحان البكالوريا أم أنها مرض مستحكم في كل جسم المنظومة يعيق تحررها وانطلاقها نحو التطور؟ هل تساءلنا مثلا كيف ينتقل تلاميذنا من فصل إلى فصل منذ المرحلة الابتدائية، وهل هناك نزاهة ومصداقية في ذلك، أم أن الوزارة لا يهمها إلا أن تعلن عن نسب النجاح العالية بتواطئ مخجل بين المصالح التربوية والإدارية. هذه الأسئلة وأخرى تعطي الصورة الواضحة عما يقع حتى تحدد المسؤوليات بوضوح وتكون المحاسبة ناجعة، وقد آن الأوان ليتحمل الجميع مسؤوليته، من أعلى سلطة لأدناها.

بعد ساعات من تنامي احتجاجات التلاميذ وأوليائهم على تسريب الامتحان، اعترفت الوزارة في بلاغها الرابع أمس بواقعة التسريب وأعلنت إعادة إجراء اختبار مادة الرياضيات في عدد من التخصصات يوم الجمعة المقبل. ألا ترى أن هذه الخطوة تعكس حسن نية الوزارة وحرصها فعلا على تكافؤ فرص التلاميذ؟ وبصيغة أخرى ألا يمكن أن نعتبر أن الوزارة قامت بأقصى ما يمكنها القيام به في مثل هذه الحالات؟

أولا هذا الاعتراف وهذا الإعلان جاءا متأخرين في ظروف لم تكن تسمح بالتأخير، وهذا نقص في الفعالية أردّه شخصيا لغياب الحس السياسي في تدبير الأزمة، وهذا أحد مكامن ضعف وضع الوزارة في يد التقنيين والإداريين فقط بمن فيهم الوزير غير السياسي بلمختار. ثانيا إن إعادة إجراء الاختبارات المسربة هو مسألة اعتيادية ومفروغ منها في مثل هذه الحالات، ولو لم تتخذ الوزارة هذا القرار لكنا أمام كارثة أخرى أكثر فظاعة من الأولى. ثالثا إن هذا القرار لن يجبر الضرر الذي لحق التلاميذ لأنه من نوع الكسور التي يصعب جبرها بشكل كلي. رابعا هناك الشيء الكثير أمام الوزارة والدولة مما يمكنهما فعله، أولها اعتبار هذا الحادث مؤشرا على أن سياسة الترقيع والمخططات التسطيحية لن يؤديا إلى تغيير عميق، ثم المبادرة إلى إصلاح حقيقي وشامل يضع المدرسة في مقدمة القاطرة التي تقود المجتمع، وإلا فإن الحديث عن تكافؤ الفرص وحكامة التدبير سيظل مجرد عبارات جوفاء للتسلي وتدبيج البيانات والخطب والمذكرات.

ما هي في نظرك الآثار المترتبة عن هذه التسريبات؟

الآثار متعددة ووخيمة. يكفيك أن تطلع على بكاء التلاميذ وقلقهم وحيرتهم وغضبهم واحتجاجهم وانهيار معنوياتهم حتى ترى أننا إزاء جريمة ارتكبت في حقهم. علما أن أغلب هؤلاء التلاميذ أمامهم سلسلة من المباريات والامتحانات وتقديم طلبات القبول لدى المؤسسات الجامعية الوطنية والدولية، ومن الوارد جدا ألا يتم الاعتراف بشهادتهم في دول أخرى كما حدث سابقا. ثم هناك الأثر الذي سيلحق صورة المغرب وسمعة شواهده الأكاديمية، وما سيترتب على ذلك على مستوى التشغيل والاستثمار وغيره من الآثار. فضلا عن التمثل الذي سيطبع بلادنا لدى الآخر؛ في قضايا النزاهة والشفافية والمصداقية، فبلد لم يستطع أن يؤمن امتحانات البكالوريا هو بلد منحل وفاسد وأهله خونة مستعدون للتلاعب بقضايا مصيرية لأجل مصالح شخصية. صورة من هذا النوع يصعب تصحيحها، وأظن أننا لسنا بحاجة إلى زيادة أخرى، فنحن لا تنقصنا المصائب التي تلوث سمعتنا بين البلدان.

إذا كان للأمر امتداد على المستوى المجتمعي وله ارتباط باختلالات المنظومة التعليمية كما قلت، ما هو المدخل الصحيح لتجاوز مثل هذه الحالات مستقبلا؟

إن مدرستنا تعيش أزمة معقدة ومركبة، لا تمثل فيها مظاهر الغش والتسريب إلا رأس الجبل الجليدي. أزمة تجد جذورها في أرضية إشكالاتنا المجتمعية السياسية والاجتماعية والقيمية، وتمتد فروعها لتجلي بعض المظاهر الجزئية داخل المنظومة التعليمية. وهو ما يجعل كل المقاربات الإصلاحية بمداخلها التقنوية عاجزة عن ملامسة الأبعاد العميقة وبالتالي غير قادرة على تحقيق أي من أهدافها المعلنة. ينبغي رفع يد النظام عن المسألة التعليمية، فهي قضية شعب ورهان وطن، وليست قضية نظام سياسي يستفرد بالتوجهات الاستراتيجية ويترك التدابير التقنوية للتشاور الواسع في لعبة إشراك وهمية، ثم يعود ليُحَمل تبعات الفشل المتعاقبة للتقنويين والمنفذين.