لا شك أن النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات البرلمانية في الشقيقة تركيا خيبت آمال الكثيرين ممن يرون في التجربة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية أملا واعدا للشعوب اﻹسلامية المقهورة بما حققته من نهضة اقتصادية شاملة، واستقرار سياسي ملحوظ، وبما تبنته من مواقف مدعمة للقضايا اﻹسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية والثورة السورية وما يعرف بالربيع العربي.

ففقدان حزب العدالة والتنمية للأغلبية المطلقة التي كان يتمتع بها مدة اثني عشر سنة سيحرمه من مواصلة مشروعه هذا، وسيحول دون تحقيق القفزة النوعية نحو إعادة تأسيس الجمهورية التركية وفق نظام رئاسي الذي كان يأمله الحزب وقائده التاريخي السيد الطيب رجب أردغان، بل قد تدخل هذه النتائج تركيا لمتاهات سياسية لا قدر الله تلقي بها في أتون الفوضى الخلاقة التي تتخبط فيها المنطقة كما يريد لها أعداؤها الخارجيون ووكلاؤهم إقليميا ومحليا…

غير أن هذه الانعكاسات تبقى مجرد توقعات رهينة بقدرة قادة العدالة والتنمية على تدبير المرحلة وتجاوز هذه الصدمة، وهو ما عرف عنهم، من خلال البحث عن حلفاء جدد لتشكيل حكومة ائتلافية تواصل المشروع وتحافظ على الاستقرار وعلى الحد اﻷدنى من المكاسب التي تحققت للشعب التركي. ولعل حزب الحركة القومية هو المرشح اﻷكثر احتمالا للدخول في هذا الائتلاف بما عرف عنه من حرص على الاستقرار السياسي لتركيا وعلى المصلحة العامة للشعب التركي، رغم خلافاته الكبيرة مع العدالة والتنمية خاصة في الملف السوري.

وبعيدا عن المقاربة السياسية اﻵنية المتأثرة بالحدث، وبالضغط اﻹعلامي، يمكن للمتتبع أن يسجل باطمئنان عدة ملاحظات، منها:

– النضج الكبير للتجربة الديمقراطية التركية، التي أتاحت للشعب التركي أن يختار ممثليه بحرية كاملة، ودون أي إملاء ممن يمسك بزمام الحكم، عكس ما تعودناه في تجاربنا البئيسة والكسيحة التي تفصل نتائج الانتخابات – إن كانت – على مقاس الحاكمين.

– لعل المحيط الإقليمي والدولي بل وحتى المحلي لم يتهيأ بعد للقبول بالمشروع الطموح الذي يطمح الرئيس أردغان وحزب العدالة والتنمية في تحقيقه من خلال هذه الانتخابات. فميزان القوة يبدو أنه ما يزال لصالح من يناوئ مثل هذا المشروع الطموح، ويصر على إبقاء العالم اﻹسلامي تحت التحكم، ويرفض أية سياسة ترمي إلى تحقيق الاستقلال والنهضة خارج المنطق الاستعماري الإستكباري.

– قد تكون هذه المستجدات قارب نجاة لقادة العدالة والتنمية من مخاطر الانفراد بالحكم التي كانوا قاب قوسين أو أدنى منها. وربما تحتاج التجربة الديمقراطية لمزيد من فرص التوافق والتشارك والتعاون لتترسخ أكثر، وليقوى عودها.

– من المستبعد أن تكون هذه المستجدات كما يتمنى الكثيرون سببا في نكوص التجربة التركية، ونجاح المتآمرين عليها والراغبين في إفشالها، لأن الشعب التركي اﻷبي لن يفرط في مكاسبه التي حققها بنضاله المستميث عبر عقود بل قرون، ولأن النخب التركية مهما اختلفت رؤاها ومواقفها يستبعد أن تضحي بمصالح تركيا الاستراتيجية.

– يبقى من قبل ومن بعد، التأكيد على أن الله عز وجل هو الفاعل المختار، يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقد وعد سبحانه وتعالى أنه سينصر عباده المخلصين، إن أحسنوا اتخاذ اﻷسباب والتعامل مع سننه، وكما يقول المثل المغربي: الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويك).