جرت الانتخابات التشريعية التركية يوم 7 يونيو/حزيران 2015، بمشاركة 20 حزبا و165 مرشحا مستقلا، ووفقا للنتائج غير الرسمية للانتخابات، فقد بلغت نسبة أصوات حزب العدالة والتنمية، 40.86% خولته الفوز بـ258 مقعدا في البرلمان، فيما حصل حزب الشعب الجمهوري على 24.96% من الأصوات وتمكن من الفوز بـ132 مقعدا، أما حزب الحركة القومية حصد 16.29 % من الأصوات، وفاز بـ80 مقعدا، في حين نال حزب الشعوب الديمقراطي (غالبية أعضائه من الأكراد) 13.12% من الأصوات أهلّته للفوز بـ80 مقعدا من مقاعد البرلمان البالغ عددها 550 مقعدا.

وصوّت في الانتخابات 47 مليونا و462 ألفا و695 ناخبا، وبلغ عدد الأصوات الصحيحة 46 مليونا و131 ألفا و968 صوتا، فيما وصل عدد الأصوات الباطلة مليونا و330 ألفا و727 صوتا.

وبناء على هذه النتائج يكون حزب العدالة والتنمية الحاكم قد خسر الأغلبية في البرلمان أي 276 مقعدا تؤهله لتشكيل الحكومة منفردا (أي نصف مقاعد البرلمان+1)، كما أنها لم تمنح أي حزب تفويضا لتشكيل حكومة بشكل منفرد.

من هذا المنطلق يمكن لنا أن نقوم بقراءة أولية لنتائج هذه الانتخابات ومدى تأثيرها على المشهد السياسي التركي:

لاشك أن تأثير هذه الانتخابات على حزب العدالة والتنمية كبير مقارنة مع النتائج التي سبق أن حصل عليها منذ سنة 2002، فإذا قمنا بقراءة تاريخية وجرد كرونولوجي نجد أن حزب العدالة والتنمية قد حصل على نسبة 34.28% من أصوات الناخبين في انتخابات 2002، وبلغ عدد نوابه 365 نائبا، ثم رفع نسبة أصواته في انتخابات 2007 إلى 46.58% أهلّته للفوز بـ343 مقعدا في البرلمان، وحقق 49.84% من الأصوات في انتخابات 2011، وبلغ عدد نوابه 327 نائبا.

أولا: لقد فاز حزب العدالة والتنمية بمقاعد نيابية عن 76 ولاية، وحقق المركز الأول في 56 ولاية، في حين أن حزب الشعب الجمهوري مثلا لم يفز بمقاعد نيابية في 37 ولاية.

ثانيا: قيادة حزب العدالة والتنمية للمرحلة المقبلة بناء على إرادة الناخب التركي قيادة مشروطة بالبحث عن شريك مناسب له في السلطة، فالشعب يعترف له بإنجازاته الاقتصادية الكبيرة ونجاحاته، لكنه في الوقت نفسه يطالبه أيضا بمراجعة بعض خياراته وسياساته وخطابه.

ثالثا: يظل حزب العدالة والتنمية الحزب الأول في المشهد الانتخابي بالنظر لعدد المقاعد المتحصل عليها ب 258 مقعدا، وهو المخول حسب الدستور التركي بتأليف الحكومة 63 بتكليف من رئيس الجمهورية، وإن كانت سيناريوهاتها المحتملة محصورة في ثلاثة خيارات، فإما تشكيل حكومة ائتلافية من بين باقي الأحزاب الثالثة التي تمكنت من دخول البرلمان، أو تشكيل حكومة أقلية، أو التوجه إلى انتخابات تشريعية مبكرة.

رابعا: لقد شكل الصعود الكردي في هذه الانتخابات التشريعية حدثا هاما، حيث ذهبت كثير من المقاعد النيابية التي كانت تصوت لحزب العدالة التنمية لحزب الشعوب الديمقراطي الذي تجاوزه عتبة 10 %، وهذا راجع بالأساس لاعتبار دعم عملية السلام الداخلية أولوية في حكومة العدالة والتنمية التي عملت على دمج جميع شرائح المجتمع التركي بالعمل السياسي بعيدا عن العنف.

دعما لهذا الخيار سمحت الحكومة بقيادة حزب العدالة والتنمية بتأسيس حزب الشعوب الديمقراطي ذو الأصول الكردية في أكتوبر/تشرين الأول 2012 وضم تحت مظلته معظم الكتلة البرلمانية الكردية، وأصبح ممثلاً بـ27 نائباً، لكن عدداً من المتغيرات دفعته لخوض الانتخابات كقائمة حزبية وليس كأفراد مستقلين، في مقدمتها عملية السلام الداخلية، وترشح رئيسه صلاح الدين دميرطاش للانتخابات الرئاسية وحصوله على ما يقرب 10% من الأصوات.

حقا لقد فوجئ كثير من المراقبين بتجاوز حزب الشعوب الديمقراطي لعتبة 10 %، نتيجة لتصويت جزء من ناخبي العدالة والتنمية عليه، نظرا للشعارات التي تبناها في حملته متجاوزا خطاب الاستقطاب والهوية فقط، ليرفع شعار أنه حزب كل الأتراك، حيث حقق نتائج في مناطق تعبر قلاعا حصينة لحزب العدالة والتنمية، وهذا انتصار تاريخي للديمقراطية يحسب للعدالة والتنمية.

إن دمج حزب الشعوب الديمقراطي في العملية السياسية ليكون رافعة حقيقية لعملية السلام الداخلي من أجل العمل الحثيث والتفرغ لتحقيق أهداف 2023 لتكون تركيا قوة اقتصادية ضمن 10 الاقتصاديات العالمية، وليس عامل توتر يهدد استقرار البلاد، لأن من شأن المناكفات السياسة للحزب إن ذهب من جديد لانتخابات مبكرة أن لا يحصل على نفس النسبة التي حصلها يوم 7 يونيو/حزيران.

خامسا: أصوات العدالة والتنمية التي تفرقت بين الأحزاب الثلاثة داخل البرلمان، أراد من خلالها الشعب إيصال رسالة على أنه غير مؤيد لإستراتيجية الحزب ورئيس الجمهورية بالتحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، ودعم صلاحيات الرئيس مستحضرة الهاجس التاريخي القائم على الخوف من صناعة ديكتاتورية جديدة.

خلاصات أساسية

1. النتائج الانتخابية التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية، التي لم تمكنه من الحصول على الأغلبية المطلقة لتمرير إصلاحات دستورية كبرى بالتحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، رسالة قوية فهمتها القيادة السياسية للحزب، وأعتقد أنها سوف تبني عليها خلاصات للمرحلة المقبلة، وهو ما صرح به رئيس الجمهورية السيد رجب طيب أروغان مؤخرا وقيادة الحزب.

2. هذه النتائج الانتخابية فرصة للعدالة والتنمية للوقوف مع الذات، لتقييم الاستراتيجيات والاختيارات، ومراجعة الأولويات والحسابات السياسية للمرحلة المقبلة.

3. تساءل الكثيرون عن الدور المحتمل لرئيس الجمهورية السابق عبد الله غل في الحسابات الانتخابية لحزب العدالة والتنمية باعتباره من قيادته المؤسسة ونظرا لخبرته، وهو ما وقف عليه كثير من المحللين نتائج الانتخابات، ذلك أنه استطاع أن يستقطب للحزب كثيرا من المحافظين واللبراليين الذين ذهبت أصواتهم لأحزاب أخرى نتيجة لتغييبه، وهو أمر ينبغي تداركه في المرحلة المقبلة.

4. الشعب التركي لا يستطيع أن يتنازل عن الاستقرار السياسي والرفاه والتنمية الاقتصادية، بالدخول في مجهول المناكفات السياسية والحكومات الائتلافية الضعيفة وغير المنسجمة، وهي رسالة ترخي بظلالها على الأحزاب الممثلة بالبرلمان في مشاورات تشكيل الحكومة، وقد تكون نقطة قوة للعدالة والتنمية في أي انتخابات جديدة بعد استخلاص العبر المناسبة من انتخابات 7 يونيو/حزيران الجاري.

5. يتوقع البعض حصول تراجع الدور الدولي والإقليمي لتركيا في المنطقة، نتيجة الانكفاء على الذات وأولوية الساحة الداخلية، وفي هذا تبخيس كبير وعدم معرفة لبنية آلة السياسة الخارجية التركية التي تفرض عليها استراتيجية المنطقة ومحوريتها كثيرا من اليقظة والحذر، بالإضافة إلى أن عامل إدماج الأكراد في العملية السياسية وتحقيق رهان السلام الداخلي أن يقوي هذا الدور ويفعله.

6. الممارسة السياسية والتحول الديمقراطي في تركيا، هو غير الممارسة السياسية داخل النسق السياسي المغلق في البلاد العربية، فالديمقراطية التي عرفت تحولات مهمة منذ 2002 من خلال عدد كبير من الإصلاحات السياسية والدستورية جعلت تدبير الاختلاف واللعبة السياسية لا تخرج عن المتعارف عليه، لتهدد استقرار البلاد ورفاه الشعب التركي الذي يستطيع أن يقول كلمته الفصل في اللحظات الحاسمة.