كان المال وما يزال وسيبقى على مر الأزمان والدهور فتنة للناس وامتحانا موثوقا ليميز الناس الخبيث من الطيب والصادق من المنافق والكريم من اللئيم والمخلص من المرائي، وقد غدا المال اليوم -وكذلك الأمر دائما- من أجلى صور الفساد والظلم والاستبداد خصوصا بين زمرة الحكام الذين استأثروا بأموال الشعوب وجعلوها دولة بينهم وأقاموا بينها وبين الناس سورا عظيما له باب باطنه فيه كنز الأموال وادخارها وتهريبها إلى بنوك الدول المتقدمة، وظاهره من قبله التدثر بأسمال الزهد والدروشة والحرص على أموال الشعب والرغبة عنها وعدم الطمع فيها.

وقد عملت الدول الديمقراطية والمتقدمة على دسترة أجور الحكام وتقنينها لئلا يتغول غير ذوي العفة منهم أموال الناس ويأكلوها إلى أموالهم بغير الحق ويحتازوا أرزاق العباد ويكنزوا الذهب والفضة، فأسسوا لذلك أعرافا سياسية وقانونية تحتذى من خلال محاسبة العديد من القادة والحكام وإدانتهم بالتهم الموجهة إليهم ومعاقبتهم بما يستحقون من صور الغرامات والحبس وغيرها.

أما في الدول المتخلفة -المستبدة عموما والدول العربية خصوصا- فإن الأموال فيها مستباحة من قبل الحاكم يصول فيها ويجول كما يشاء دون حسيب أو رقيب، ويا ليت الأمر يتوقف عند هذه العتبة فأموال الأمة متاحة لكل من يدعي خدمة أعتاب الحكام وأنظمتهم في أي دائرة من دوائره، ومهما كانت بعيدة عن بؤرة الحكم، والأدهى من ذلك غياب المحاسبة والعقاب، والأمرّ منه بدعة العفو عما سلف مما يشجع ذوي النفوس المريضة على الخوض في أموال الأمة واستخلاص ما تسمح به مدة المكوث والاستقرار في المنصب، فيعمل “المسؤول” على اختلاس الأموال واقتطاع الإقطاعات وتفويت الأصول قبل أن تدق ساعة الصفر التي يجف معها هذا المنبع الغزير.

وفي هذا السياق نستحضر نماذج لحكام عرب-مسلمين مروا من هذه الأرض الطيبة والأقطار الممتدة وتركوا بصمات لا تمحى وسطروا نماذج يقتدى بها، وقدموا إنجازات غير مسبوقة يصعب بل يستحيل أن تكون ملحوقة، فأتعبوا من جاء بعدهم، وأقنطوهم من إمكانية الوصول إلى ذرى قهر بريق الدينار والدرهم والذهب والفضة، وقمم إخناس النفس وإقبار وساوسها، فقنطوا من احتمال تسنم عشر هذه المقامات السامقة والكمالات النادرة.

فهذا أبو بكر الصديق خليفة المسلمين الأول وبعيد انتخابه لمنصب المسؤولية الأول يأخذ بضاعته وينطلق بها إلى السوق ليتكسّب دريهمات يطعم بها عياله، فقد روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن عطاء بن السائب قال: “لما استخلف أبو بكر رضي الله عنه أصبح غاديًا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح فقالا له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق. قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالا له: انطلق حتى نفرض لك شيئًا فانطلق معهما، ففرضوا له كل يوم شطر شاة وكسوة في الرأس والبطن” 1 .

وقد كان أبو بكر متواضعا في لباسه ومطعمه ومشربه عفيفا عن أموال المسلمين وقد كان انشغاله بأمور الخلافة أن دفعته حاجته لأخذ عطاء من بيت المال مقداره ستة آلاف درهم في السنة) 2 .

ولما تحمل عمر الفاروق الأمانة سار على درب صاحبه أبي بكر فحدد مصاريفه بالإضافة إلى العطاء المفروض له من بيت المال، وكان نفس عطاء أبي بكر ستة آلاف درهم في السنة) 3 ، وقد كانت تشمل قوته وقوت عياله وكسوة له ولأهله في الصيف وفي الشتاء، ودابتان لجهاده وحجه وعمرته) 4 ، فقال عمر: أنا أخبركم بما أستحل منه (من بيت المال)، يحل لي حلتان: حلة في الشتاء، وحلة في القيظ، وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بَعْدُ رجل من المسلمين يصيبني ما يصيبهم) 5 . وتلك كانت صورة حياة أبي بكر وعمر طابعها التقشف والبساطة في العيش.

ورغم ما تعرضت له حياة عثمان ذي النورين ونفقاته من اعتراضات وانتقادات من قبل قطاع من الناس في نهاية خلافته خصوصا مع انبساط سلطان الأسرة الأموية على أغلب بلاد المسلمين، فقد كان عثمان يزهد ولا يأخذ من بيت المال عطاءه، مكتفيا بأمواله وثرواته) 6 والتي حصلها من تجارته التي درت عليه أموالا طائلة، فقد ترك عند مقتله خزائن مملوءة بثلاثين مليون درهم، وخمسمائة ألف درهم ومائة وخمسين ألف دينار، وقد انتهبت وذهبت كلها، وترك ألف بعير بالربذة (من قرى المدينة)) 7 .

أما علي بن أبي طالب وإن باء بحمل أعباء الخلافة بعد عثمان إلا أن حياته قد كانت أشبه بحياة أبي بكر وعمر من حيث الزهد والتقشف والتحوط والتحرز والتبرم من أموال المسلمين، فهو صاحب الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن زرير عن علي بن أبي طالب قال: “يا ابن زرير إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان، قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يضعها بين الناس”.

ومن أبلغ صور زهده وعفته عن أموال المسلمين في أيام خلافته ما رواه هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ (قال): دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ بِالْخَوَرْنَقِ – وَهُوَ فَصْلُ شِتَاءٍ – وَعَلَيْهِ خَلَقُ قَطِيفَةٍ، وَهُوَ يُرْعَدُ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكَ وَلِأَهْلِكَ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبًا وَأَنْتَ تَفْعَلُ هَذَا بِنَفْسِكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرْزَأَكُمْ شَيْئًا، وَمَا هِيَ إِلَّا قَطِيفَتِي الَّتِي أَخْرَجْتُهَا مِنَ الْمَدِينَةِ) 8 .

كانت هذه الأمثلة صورا مشرقة من أحوال رجال قاوموا إغراء المال وغواية السلطان ومراودته لهم عن أنفسهم، وتربت أيدي من أتوا بعدهم إلا قليلا جدا من ملوك تسموا بالخلافة وتسربلوا بأزيائها ظاهرا من القول وكللوا هاماتهم بتاج الملك الذي يحب إلى حد الهوس قلب الأوضاع رأسا على عقب، فغدت العفة جشعا وغدا الزهد والتقشف إسرافا وتبذيرا. ولا نريد في هذا المقام استحضار هذه النماذج لأن لدينا منها في أيامنا وبلداننا صورا مطابقة ومعدلة إلى الأسوإ، بل نريد إعادة الاعتبار إلى هذه النماذج الملهمة لنؤكد بشريتها وعدم عصمتها مما يقرب إلى الأذهان والأفهام إمكانية إنتاج مثل هذه النماذج أو استعادتها بإرادة أصحاب الحق في المال وهم السواد الأعظم من الناس.


[1] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3، ص 184. وانظر سير أعلام النبلاء للذهبي: الخلفاء الراشدون ص 14.\
[2] ابن سعد، الطبقات، ج 3، ص 185. وانظر تاريخ الطبري، ج 3، ص 432.\
[3] تاريخ الطبري، ج 3، ص 616.\
[4] المصدر السابق، ج 3، ص 616. وانظر القاسم بن سلام، الأموال، ص 281-282.\
[5] طبقات ابن سعد الكبرى، ج 3، 275-276.\
[6] المبسوط للسرخسي، ج 16، ص 102.\
[7] طبقات ابن سعد، ج 3، ص 72-77. وانظر كذلك ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج عثمان، ص 454. والذهبي، سير أعلام النبلاء، الخلفاء الراشدون، ص 274.\
[8] الكامل، لابن الأثير، ج 2، ص 442.\