الأندلس… يا له من اسم محبب إلى قلوب كل المسلمين خاصة العرب منهم لما يحمله من ذكريات التاريخ والماضي المجيد لأرض عاش فيها الأجداد، أنتجت المجد، واعتلت قمم التقدم والازدهار.

وما أكثر إشادتنا بالمآثر العظمى التي وقعت على أرض الأندلس، والإنجازات العلمية والفكرية والثقافية والمعمارية الكثيرة التي خلفها “الأندلسيون المسلمون” وما ساد هناك من تسامح فكري وديني في زمن كانت فيه أوربا النصرانية تحرق فيه المخالفين في الفكر والعقيدة.

لكن القضية التاريخية الكبرى التي لم يشبعها الباحثون العرب بالدراسة والمزيد من البحث والتنقيب؛ هي كيف كانت نهاية الأندلس، وماذا حدث لشعبها؟ وهل انتهى شعب الأندلس بسقوط الممالك الأندلسية التي كانت آخرها “غرناطة” سنة 1492؟ وكيف استمر المسلمون الذين فضلوا العيش تحت ظل حكم “الممالك النصرانية”، وكيف كانت حياتهم؟ هل ذابوا في المجتمعات النصرانية خاصة بعد حملات “التنصير” وحفلات “التعميد الجماعية” التي تعرضوا لها؟ وكيف تعاملت الممالك النصرانية مع الاختلاف الديني والثقافي للمسلمين الذين خضعوا لسلطانها؟

إنها تساؤلات قلت الإجابات عنها من محبي “الفردوس المفقود”، ومن الباحثين المهتمين به؟

لا بد أن أعترف أنني كنت ومازلت من المهووسين بهذا الموضوع وأشكك دائما في الروايات التاريخية حول أسباب سقوط فردوسنا المفقود، إلى أن وجهني صديق باحث أعترف له بالفضل والعبقرية إلى كتاب قيم “لماثيو كار” عنوانه “الدين والدم إبادة شعب الأندلس”، صدر عن هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة مشروع “كلمة” – ط الأولى سنة 2003م.

تبدأ القصة بالحرب الصليبية التي غزت لعشر سنوات مملكة غرناطة الأندلسية، وانتهت بسقوطها عام 1492م، الذي كان في الوقت نفسه بداية لعملية طويلة من التطهير الديني والعرقي “لإسبانيا المقدسة” والتي كان من زبنائها التعساء اليهود والمسلمين. هي حرب صليبية لأن الجيوش النصرانية التي قادها “فرديناند الأراغوني” و”إيزابيلا القشتالية” ضمت في صفوفها متطوعون أجانب جذبهم الوعد البابوي بغفران ذنوب من يحاربون “الكفار” الذين لم يكونوا سوى المسلمين آنذاك بالإضافة إلى “أصحاب التوراة”، فضلا عن فرص النهب والسلب والاغتناء عن طريق الاستيلاء على ممتلكات الأندلسيين المسلمين، وما رافق تهجيرهم خارج أرض الأندلس من استغلالهم تارة وبيعهم كعبيد في الأسواق تارة أخرى.

يبدأ الكتاب بمقدمة تحدد الهدف منه بعرض لتاريخ فتح أرض الأندلس على يد “طارق بن زياد” المغربي عام 711 مطوفا بما جرى من فتوحات عظيمة، ملاحم كبرى قادها المسلمون هناك ومعارك انتصر فيها المسلمون انتصارا باهرا على القوط والنصارى، ثم يتوقف ماثيو كار أمام سقوط “مملكة غرناطة” آخر ممالك المسلمين العظمى حيث عرض بإيجاز حروب الاستنزاف الطويلة التي سبقت حصار غرناطة قبل عام واحد على سقوطها.

إذ لم تسقط غرناطة في معركة أو حرب كبرى وقعت بين جيشين، بل سقطت عبر حروب وحصار امتد لعقود من الزمن، اضطر معه أهل غرناطة إلى أكل الجرذان والكلاب والأحصنة وفي الأخير اضطر السلطان محمد الثاني إلى توقيع اتفاقية الاستسلام وتوجه إلى منفاه إلى “جبل البشرات”، وترك خلفه شعبا مصدوما من هول الصدمة ومذهولا مما سيقابله بدخول النصارى وحكمهم. وبذلك اكتملت عمليات الاسترداد التي قادها النصارى لإبيريا ووجد المسلمون أنفسهم مضطرين للعيش تحت حكم الممالك النصرانية وحكام نصارى.

يعرض المِؤلف في الفصل الثالث من الكتاب كيف أن المسلمين تحولوا من سادة للأرض وحكام إلى مستضعفين يعملون في أدنى المهن والحرف، ويتعرضون بين الحين والحين إلى هبات عنف متواصلة من جانب النصارى، لكن المسلمين استطاعوا مع ذلك أن يحافظوا على دينهم وثقافتهم وتقاليدهم وسط مجتمع نصراني حاقد وناقم منهم.

لكن إسبانيا “الكاثوليكية” بعد التخلص من اليهود تحول نظرها للتنصير القسري للمسلمين حيث استخدمت الشدة والتعذيب والسجن لإجبار المسلمين لاعتناق النصرانية وما قصة “حامد الثغري” عنا ببعيد، ذلك القائد الذي أبلى البلاء الحسن في حروب الدفاع عن الممالك الإسلامية، إذ أجبر عل اعتناق النصرانية وأعلن ذلك أمام البابا وأمام حشد من المسلمين معترفا أن ذلك كان وحيا من الله جاءه في المنام وهو في السجن. وفي سنة 1500 ثارت ثورات خاصة تلك التي وقعت في “ربض البيازين” على الإجراءات النصرانية التي لم تحترم بنود اتفاقية الاستسلام حيث أعلن البابا “ثيسنيروس” في مجلس الكنيسة “لا يوجد الآن في المدينة إنسان واحد غير نصراني، وكرست كل المساجد كنائس”.

لم يستسلم مسلمو غرناطة لهذه الإجراءات وثاروا عليها إلا أن الغلبة كانت للأسبان الكاثوليك ولذلك انهارت المدن والقرى الثائرة تباعا بعد مقاومة شرسة.

ومع أن غالبية المسلمين، لاسيما النساء فضلوا الموت على التنصير القسري، فإن غالبيتهم قد انحنوا للتيار معتقدين بقبولهم التعميد بأنهم سيتركون وشأنهم. وجرى تعميد المسلمين وسط أجواء احتفالية، وكان الآلاف يعمدون، وتكرس المساجد كنائس وسط أغان ودق أجراس الكنائس، وبذلك ُنصّر كل مسلمي غرناطة في بضعة أشهر.

وفي قشتالة أصدرت إيزابيلا مرسوما أجبر المسلمون على الهجرة بدون أن يصطحبوا أبناءهم دون سن الرابعة عشرة وبناتهم دون عمر الثانية عشرة الذين تقرر أن يعطوا لعائلات قشتالية كي ينشؤوا تنشئة نصرانية فكانت العائلات المسلمة تعمد بشكل جماعي وتتخذ أسماء نصرانية.

لم يكن دين الأندلسيين وحده هدفا للاستئصال، وإنما ثقافتهم وتقاليدهم التي كانت ترتبط بتلاقح الدين الإسلامي بمقومات محلية فأصدر حكام إسبانيا الكاثوليكية ما بين عامي 1511 و1526 سلسلة من المراسيم الملكية والأوامر؛ قصدوا بها أن يستأصلوا الثقافة والتقاليد الأندلسيين خاصة اللباس الأندلسي وغطاء الوجه لنسائي المعروف بالملحفة، حيث كان هدفا لعدوانية خاصة من جانب المسؤولين ورجال الدين النصارى.

كان من أشد هذه المراسيم تقييدا للحرية الموريسكية، مرسوم غرناطة، الذي أصدره فيليب في 1566 م، والذي تضمن حظر استخدام اللغة العربية والحمامات العامة الأندلسية واللباس الأندلسي وحرق الكتب والمخطوطات المكتوبة باللغة العربية، ومنع المسلمين من غلق أبواب بيوتهم أيام الجمع لضمان عدم تأديتهم الصلاة.

ويعرض المؤلف لقضية بالغة الأهمية هي قضية النساء الموريسكيات فقد كن أشد صلابة أمام النصارى الكاثوليك، وأشد حرصا على التقاليد الإسلامية، وربما كن لذلك هدفا لمراسيم وإجراءات تقييدية كثيرة، ويقدم الكتاب نماذج من هؤلاء النساء، فمنهن “إيزابيل دي مدريد” التي اعتقلت كونها ردت على سب النصارى لها بأنها “كلبة أندلسية” بالقول أنا أندلسية، وأمي وأبوي كانا أندلسيين وماتا أندلسيين، وأنا أيضا أندلسية، وسأموت أندلسية) ومنهن أيضا كثيرات شاركن في الجهاد لكن أبرزهن امرأة مورسكية أخرى قاتلت في الشوارع في الحرب بسيف في يد، وتحت ذراعها الآخر أخواها الصغيران قبل أن يقتل ثلاثتهم.

يسترسل المؤلف في سرد ما وقع ليصل إلى مرحلة الطرد القسري لمسلمي الأندلس بعد هزيمتهم في ثورة ما يسمى بثورة البيازين. إذ أمر فيليب بإبعاد المسلمين عن غرناطة إلى قشتالة وتعرضوا للتشريد والإبعاد عن بيوتهم ومدنهم وقراهم في صورة تقشعر لها الأبدان. ففيما يروي المؤلف عن دون خوان أنه أبشع منظر في العالم، ذلك أنه في لحظة المغادرة هطلت أمطار وثلوج غزيرة وعصفت الرياح، فالتصق هؤلاء القوم المساكين ببعضهم وهم ينوحون..)، وقد وصف كاتب آخر هو خينيس بيريث دي هيثا النساء المورسكيات وهن يبكين وينظرن إلى بيوتهن ويعانقن جدرانها ويقبلنها مرات ومرات، متذكرات ماضيهن المجيد وإبعادهن الحالي والمستقبل المشؤوم الذي ينتظرهن).

وهكذا يرى ماثيو كار أن المسلمين قد دفعوا لأسفل السلم الاجتماعي، وركزوا في مهن وحرف متواضعة مثل البغالين والباعة المتجولين، حيث باتوا في نظر الإسبان “أرذال الناس”. وهنا يقدم المؤلف نظرية مفيدة لتفسير التمييز والاضطهاد -كما يقول مترجم الكتاب “مصطفى قاسم”- يرى ماثيو كار أن التمييز سواء كان بسبب الدين أو العرق أو البيولوجيا أو الثقافة أو غيرها من أوجه الاختلاف، يستخدم دائما لتبرير الهيمنة والإقصاء، وحتى الإبادة، من جانب الجماعة التي تفترض في نفسها التفوق.

وقد أبدى بعض النصارى تخوفهم من نتائج الطرد والتهميش التي طالت الأندلسيين المسلمين وكان من أبرزهم رئيس أساقفة بلنسية خوان دي ريبيرا لمساعده خايمي بليدا من طرد المورسكيين من إسبانيا، حين قال ربما نضطر في المستقبل لأن نأكل الخبز والأعشاب ونصلح أحذيتنا بأنفسنا). يعلق المترجم على هذه المقولة بأن رئيس الأساقفة هذا، الذي أسهم أكثر من أي شخص آخر في طرد المسلمين لعدم صدقهم في اعتناق النصرانية، لم يخش على “خلاص أرواحهم” كما كان يتشدق دائما، وإنما خشي من فقدان عبيد طائعين.

وجاءت النهاية حين اعتلى فيليب الثالث العرش، وبعد تحسن أوضاع إسبانيا الدولية بعد انشغال الدولة العثمانية عنها بمشكلاتها بالأناضول وبلاد فارس وتوصل إسبانيا إلى اتفاقيات سلام مع الجارة فرنسا ثم مع أعدائها في شمال أوروبا أعلن فيليب الثالث في أغسطس 1614م بطرد زهاء 300 ألف رجل وامرأة وطفل إلى المنفى أو أرسلوهم إلى الموت حيث سلموا لتجار العبيد أو أغرقت بهم السفن وسط البحر وتعرضوا للسلب والنهب وتعرضت نساؤهم وبناتهم للاغتصاب والاعتداء من طرف مهجريهم، واستأصلوا آخر بقايا الحضارة الأندلسية، التي بدأت قبل ألف عام تقريبا، حين وصلت جيوش الفتح الإسلامي تحت قيادة طارق بن زياد أول مرة إلى الصخرة التي تسمى باسمه الآن.

وفي الفصل الأخير من الكتاب وتحت عنوان “الحساب”، يعدد ماثيو كار أشكال الخراب التي لحقت بإسبانيا جراء الطرد. فقد أخليت مئات من القرى من سكانها، وتعطلت أراض شاسعة عن الإنتاج، ودخلت إسبانيا انحطاطها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الطويل.

لقد قدم رجال الدين المتعصبون الطرد على أنه “مرضاة الرب”، لكن على عكس ذلك، كان القرن السادس عشر هو آخر عهد إسبانيا بالقوة والهيمنة والتطور والازدهار، وظلت في تراجع مستمر حتى آخر عهد الدكتاتور فرانكو في أواخر القرن العشرين.

وأخيرا كما بدأ المؤلف ماثيو كار مقدمة الكتاب بالتأكيد على أن مأساة “شعب الأندلس” قد تكررت في سياقات أخرى كثيرة سعت فيها أغلبية مهيمنة على إعادة صياغة هويتها أو تعريفها على الاستئصال المادي والعنف القائم على اقتلاع جذور المخالف، يختم المؤلف الكتاب بخاتمة يبرز فيها أسس التعايش وقبول الآخر والاختلاف. كما أبرز أن هناك تشابها بل تطابقا بين الماضي وبين ما يقع اليوم في أوروبا من رفض للإسلام والمسلمين وانتشار خطاب معاداة الإسلام والمسلمين ورفض الثقافة الإسلامية في الغرب المعاصر باعتباره “علمانيا” من جانب آخر.