يدافع هذا المقال عن تصويب الحكم على الناس لنتجاوز غبش الأحكام المسبقة والمعممة، والمتحيزة والجائرة، والظنية والمتهافتة، مرتفعين إلى أفق الحكم الكامل المكتمل. ذلك الحكم الذي يفي بشرط الإلمام الجامع بين كليات الحكمة وجزئيات الأحكام، وبشرط الإحاطة بالتاريخ الشخصي للمحكوم عليه، وهو قائم على طلب الحقيقة على مرارتها، مع مرونة في مسافات النظر وزاوياته. ذلك الحكم بهذه المواصفات لا يمكن إلا أن يكون عزيز المنال في حق إنسان خلق بموازينه القاصرة عن المعرفة الكلية المطلقة، إنما هو اختصاص إلاهي محض، فلله المثل الأعلى والنموذج الأرقى. أما نحن البشر، فمطلوب منا أن نبسط إنسانيتنا ونمددها بإحساسنا بعذابات الآخر وآلامه تحت جناح الرحمة المحمدية، ياقوتة ديننا بامتياز، ومطلوب منا أيضا أن نقاوم الحكم الباطل دفاعا عن إنسانيتنا دون أن نحاكم أهله.

الإنسان كائن مركب، بل قل كونٌ معقد لا يحيط بحقيقته إلا الله. إنه عالم من المتصلات والمتفاعلات والمتكاملات، بل هو كون متفجر بالطاقات والإمكانيات والخيارات والمواهب والعطاءات، وليس مجرد ذات مادية محدودة بحتميات الزمان والمكان، وعليه فكل المساعي التي تدعي تمثل الظاهرة الإنسانية مقتصرة على الجانب المادي العرضي للإنسان دون غيره من الجوانب الأخرى، بما فيها الروحية والثقافية، ماهي إلا مقاربات اختزالية وتبسيطية تفضي إلى صورة مبتورة ومشوهة عن هذا الكائن. إلا أن هذه الرؤية العميقة للإنسان تتداعى بشكل تام بحكم التعاطي المتواصل مع هذا العالم الموّار بكل تفاصيله وتفريعاته وصراعاته، وتبقى اللحظة الحاسمة التي تجسد هذا التداعي بامتياز تلك التي يتجرأ فيها الإنسان على الحكم على أخيه الإنسان في محاكمات تؤطرها معاييره الذاتية، الفردية والجمعية، العادلة في بعض الأحيان، والمتحيزة في أحايين أخرى.

يدرك المتتبع لحركات المجتمع مركزية مفهوم الحكم على الإنسان باعتباره منظومة تخترق المجتمعات طولا وعرضا وعمقا. يرجع ذلك بالأساس إلى طبيعة السياقات الإنسانية التي تتسم بهيمنة الصراع والتدافع، وبالطبيعة التعاقدية الـتي أضحت تسم مجتمعاتنا، مع ما يرافق ذلك من ضرورة تقييم ونقد للأداء في إطار التعاقدات القائمة، انطلاقا من لحظة استهلاكية عابرة، مرورا بلحظة حكم تهم تنظيما بعينه، انتهاء بمحاكمة مصيرية يتوقف عليها مستقبل أمة. وفي هذا الصدد، يقول الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون: يشكل الخوف من حكم الآخرين دعامة أساسية للأخلاق)، وهنا يتبدى مدى انشغال الطبيعة الإنسانية بأحكام الآخر، مما يجعل آلية الحكم سلطة ضبط نفسية واجتماعية وثقافية تؤثر في الأفراد تأثيرا بليغا. وهكذا تشكل هذه المنظومة محددا أساسيا من محددات النسيج العلائقي داخل المجتمع، ليس بفعل تأثر الفرد بحكم الآخر عليه فحسب، بل لتأثر الأحكام المتبادلة بعضها ببعض، وميلها إلى التجانس في الغالب الأعم، وهو ما يؤكد عليه الروائي السويدي هجلمار برجمان بقوله: لا شيء أشد تأثيرا على حكمنا على إنسان ما من اكتشاف أن الحكم الذي يصدره علينا ليس تماما كما نظن). وهنا لا أتصور أن كل الأفراد في مجتمعنا غارقون في هيمنة تجانس الأحكام المتبادلة) فهذا تبسيط مخل بالأمور. فنحن بصدد دراسة الواقع على مستوى النموذج المهيمن، أما مجتمعنا، فهو زاخر بلا شك، بأناس أوسع أفقا، وأرحب طبعا، وأحكامهم على الناس أكثر إنسانية، وأكثر رحمة من النموذج السائد، وغالبا ما لا تتأثر أحكامهم على الناس بأحكام الناس عليهم.

لكن، الرجوع إلى تأثر الأحكام بعضها ببعض وبالتالي تغيرها، يحيلنا إلى مساءلة مشروعية هذه الأحكام ومصداقيتها من أساسها. فما دامت هذه الأحكام ظرفية ومتغيرة وهو ما يثبته المعيش اليومي في علاقات الناس ، فلا يمكن إلا أن تكون نسبية وغير نهائية، بل لا يمكن أن نعتبرها حكما على الإنسان أصلا، فهي إذن مجرد حكم يهم الظرف لا المظروف، يهم السياق بإكراهاته المختلفة لا الإنسان المساق إلى سلوكات واختيارات مسقوفة بشروط الواقع المهيمن بالرغم من هامش المسؤولية الذي يتحمله، وربما لو تغيرت تلك الشروط والضغوط لكنا أمام مواقف أخرى ستقتضي منا أحكاما مختلفة بل مناقضة لما كنا سنصدره في الحالة الأولى. وهنا تجدر الإشارة إلى مدخل رقيق من مداخل تلمس إنسانيتا، أحال عليه الشاعر والكاتب المسرحي الألماني كريستيان فريدريش هِبل بقوله: يجب على من يريد أن يحكم على الطبيعة الإنسانية أن يدرس أعذار الناس). ولعل ما ينسب إلى أبي حامد الغزالي، إذا صحت هذه النسبة، يعبر عن نظرة رحبة الأفق لا يمكن إلا أن تكون ربانية المرجعية: لو اطلعنا على أعذار الناس لعذرناهم جميعا).

يقتضي السير العادي لمحاكمات الناس، الوعي التام بالمعوقات والعقبات التي تحول دون صياغة الحكم الرشيد. من ذلك ما يرتبط بطبيعة العقل البشري الذي يتمتع بقابلية غريبة لإصدار الأحكام في يقين كامل وبطريقة شاملـة تبسـيطية. فالعقل الفرد يتسرع في إصدار أحكامه، ويعمم القول بأوسع مما يحتمل الواقع، كما يبحث عن أكثر النماذج اختزالية لتعفيه من مزيد من التحليل والتدقيق، لكنه قلما يعيد الصياغة، وقلما يعدل الأحكام بما يتلاءم ووعيه المتنامي. فالوقت لا يتسع لإشباع هذا النهم الإنساني في إصدار الأحكام ولو بالجملة! وهذا ما يعززه حاجز العقل الجمعي الذي يلخص تراكمات المجتمع على أصعدة متنوعة، تراكمات تبنى بطريقة غير واعية، لتصل إلى درجة من الرسوخ تجعلها تشكل ضمير الفرد ووجدانه وعقله وروحه التي تسري في كل كياناته، إلا أن أهم ما يميز هذا العقل -على نحو عام- سطحيته وحرفيته وكذا تضخم هامش التقليد لديه مع ما يرافق ذلك من تضخم عاطفي وإنشائي يفضي إلى فقر شديد في النقد والتحليل. إنه يركز بشكل أو بآخر على إضفاء المشروعية على الأحكام المتحيزة الرائجة: إنه مطب يحول دون اسقلالية أحكامنا على الناس.

إن الإنسان يراقب أخاه الإنسان من بعيد محاولا أن يصدر عليه حكمه انطلاقا من اهتماماته الذاتية، دون أن يقدر على التخلص من الأحكام الجاهزة والأفكار القبلية. وبالتالي، فمهما بلغنا من التجرد للحقيقة، فمن الصعب أن نتحرر من إسار التمحور حول الذات ومن سلطة المنظار الذي به ننظر إلى الناس. والنتيجة ذاتية حبيسة أهوائها وانفعاليتها، ومصالحها وتحيزها تجرف العقل إلى مهاوي تخفيض شأن الآخر ونسف خصوصيته وفردانيته.

إن العقبات السالفة الذكر تحول دون ترشيد الحكم على الآخر، فهي تضعف من قدرة الحكم على تفسير حيثيات الإنسان، لا أقول لأنها تضعف موضوعيتيه، بل لأنها تضعف تركيبيته وإنسانيته. إن ضرورة تلافي إصدار الأحكام النهائية راجعة بالإضافة إلى ذلك، إلى مفعول الحكم المحافظ، فهو لا يأتي بجديد يذكر، بل يكرس لجمود الوضع القائم، ولا يفتح أمام الإنسان أفق التغيير، أفق اكتشاف إنسانيته الكامنة. كما أن العقوبة الوضعية التي قد يتلقاها زيد عن جرم اقترفه مثلا، والتي تقاس بحسب قوة الخيانة وضعف المعذرة، لا أظنها حكما على الشخص بقدر ما هي فعل مقاوم لإخلال الجاني بتعاقدات المجتمع، فعل يتوخى تحصين المجتمع وحماية الفرد من غوائل نفسه من خلال إكراه غايته التصويب وإعادة الصياغة لا غير، إلا أنه لا يمكن أن يعتبر بحال من الأحوال تبخيسا لإنسانيته، فالطابع التعاقدي للعقوبة قشرة ظاهرة تغطي التراحم الكامن، فإن قتل الجاني مائة نفس فرحمة الله ما زالت تسعه، وقد يحكم المولى عز وجل لصالحه إذا كانت وجهته إنسانية ربانية، كما جاء في حديث قاتل المائة.

إن اللبنة الأولى في التأسيس لمنظومة حكم بمقولات تحليلية جديدة، وأطر قيمية إنسانية، تكمن في التركيز على مفهوم أصيل هو مفهوم “التوبة” باعتباره حكما ذاتيا تتحقق فيه شروط المحاكمة العادلة ما دمنا نصدره على أنفسنا تحت مرأى الحكيم العليم، فإذا نقلنا مجريات المحاكمة إلى ميادين الآخر، نكون إذاك أمام عطب في الحكم. فإن نحن تسلحنا بمزيد من الصرامة والقساوة خلال فصول “الحكم الذاتي”، سنجد أنفسنا أكثر رحمة، وأكثر إنسانية مع الآخر. إن استصلاح منظومة الحكم على الإنسان ربما يؤسس لمرجعية صارمة تتعاطى مع نظم الحكم على اختلاف مستوياتها بصرامة تنافح بشراسة عن آخر رمق في كرامتنا الآدمية.