الغاية الإحسانية إذن هي كلمة الإسلام، واقتراحه، وثمرته الموجهة لكل فرد. والأهداف الجماعية للأمة، من تحرر عن الجاهلية، ونجاح في الاقتصاد، وظهور في الأرض، شروط ضرورية ليسمع الإنسان تلك الكلمة، ويقبل ذلك الاقتراح، ويجني تلك الثمرة. فذلك السباق الذي عرضه الله على كل منا إلى مغفرته وجنته ورضاه والنظر إلى وجهه هو رسالتنا للعالم الشقي بحضارته المادية، المهدد بالعنف الجاهلي النووي، المتخبط بزعامة الجاهلية وكيدها وجهلها بالله في مشاكل تؤذن بسقوط الحضارة الغربية السائرة إلى أفول) 1 . فقرة قرأتها وما زلت أقرأها في المنهاج النبوي منذ أزيد من عقدين من الزمان، لكن اليوم أقف على دلالتها القوية بأنها صالحة لأن تكون شعار المرحلة وروح الخطاب الدعوي، وهدف التغيير الذي ننشده.

بالنظر من النافذة على أحوال العالم وما وصلت إليه من انحطاط وانحدار، نستنتج أنه لم تعد هناك لا قيم ولا أخلاق، وكل حديث عنهما خواء في خواء، وجنون في جنون. العالم الذي يبدو من خلال وسائل الإعلام المتطورة كقرية صغيرة، يبدو حديثه عن تجاوز الاستبداد هو بالتطبيع معه، وحديثه عن تجاوز الفساد هو بتقنينه و”أنسنته”. ولذلك عندما تصل الأمور إلى هذا الحدّ فسيكون بكل تأكيد مهددا حقّا، مهددا بعقاب من الله في صورة كوارث وحواصب وفضائح واخفاقات على أكثر من صعيد، وما يحصده الإنسان من كل هذا من ويلات على مستوى معنى وجوده ومصيره هي الأكبر خطرا وسوءا.

وسوف لا أذهب بعيدا عن بلدنا الحبيب كشف الله عنه الغمة، لأنقل فقط ما شاهدته اليوم وقرأته. أشاهد الآن الأحد صباحا برنامجا وثائقيا على القناة الوثائقية الإماراتية حول “المدينة المحتالة”، ويقصدون بها مراكش، في هذا البرنامج يعرض صاحبه كيف وقع عليه الاحتيال من قبل بائع السجاد الذي باع له سجادة بثمن 2850 درهما بدعوى أنها قديمة من صنع الطوارق. ولما تأكد وجد قيمتها 500 درهم ومصنوعة في تيفلت منذ شهر على الأكثر. لنرى أين وصلت سمعة البلد، ناهيك عن برامج أذيعت من قبل حول اغتصاب الأطفال والامتهان بكرامتهم، وعن الدعارة وتعذيب الخادمات…

وفي نفس الوقت فتحت موقع الجماعة فرأيت في الكلمة الافتتاحية كمال عماري.. عندما تقتل الدولة أبناء الشعب، دفعني هذا إلى أن أتساءل كما يتساءل الكثيرون، هذا التطور الذي يتحدثون عنه وتتحدث عنه وسائل الإعلام في كل مناسبة، هل هو تطور بخطوات إلى الوراء أم إلى الأمام؟ قتل الشهيد كمال عماري رحمه الله، وعند كل ذكرى يقام الاحتجاج، وتقام الندوات، ومع ذلك لا حياة للقضاء تناديه، وهل تُسمع من في قبور السياسة غرقى.

انتقلت إلى صفحة هسبرس فتعوذت بالله من مشهد رأيته عن “موازين”، مشهد مخل وفظيع يدخل بيوت المغاربة المسلمين ما سبق له مثيل عند الأولين، ويسمون هذا بـ”مغرب الثقافات”، أين تذهبون؟ إن كانت هذه ثقافة فنحن نتبرأ منها. الثقافة أصالة وأخلاق وقيم. وعلى نفس الصفحة أقرأ مقالا لكاتب حول “فلم الفتنة” الجديد الممنوع، ولا ندري الممنوع خوفا وخجلا من إثارة ردود فعل المغاربة أم استنادا إلى منظومة قيم وقوانين وأخلاق.

أما إذا ذهبنا بعيدا فالفساد والاستبداد لم يتركا مجالا من المجالات إلا أصاباه بأمراضهما، وهذه المرة حتى المجال الرياضي الذي كان بمنأى عنهما أصيب بعدواهما. والغريب في الأمر أن الذين يعيشون في أحضانهما من شدة التعوّد على شمّ روائحهما العفنة لم يعد عندهم اعتراض على تشجيعهما وترسيخهما في كل مرة. ومن مظاهر الفساد أيضا ما نراه من هرج ومرج وقتل وتجويع، ومن طبقية فاحشة وعنصرية فاضحة عبر العالم.

إن هذه الحالة التي عليها العالم بصورة أكبر، وكل بلد بصورة أصغر، لا يستطيع تغييرها أي نوع من التغيير، حتى من نادى وينادي بالتغيير الإسلامي الذي تعقد عليه الآمال غير كاف وناقص، وحتى إن نجح ووصل إلى مراكز متقدمة من التغيير يبقى دون أن يضيف أي قيمة نوعية على ما أنجز من تغيير في مختلف الدول الأوروبية. نعم سيوفر الحقوق من كرامة وحرية وعدالة اجتماعية، لكن أن يقدم جمالية النظام الإسلامي في أحسن صورها من حيث نموذج الشخصيات الإحسانية التي يراد لها أن تغشى العالم كنماذج، ومن حيث الهوية الإحسانية الحقيقية للأمة هذا من الصعب بمكان، لأن هذا ليس واردا في برامج هذا النوع من التغيير.

لذلك فالتغيير الذي كرس له الإمام المجدد رحمه الله حياته وحمل عليه الجماعة لتحدثه في أنفسها وفي الآفاق بات يفرض نفسه، وهو المطلوب حاليا للعالم عن جدارة واستحقاق في فكرنا وسلوكنا وخطابنا وجهادنا. وهو التغيير الإحساني. يقول الله عز وجل: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا، واتخذ الله ابراهيم خليلا 2 .


[1] موسوعة سراج، المنهاج النبوي، عنوان: سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة.\
[2] النساء: 124.\