ـ1ـ

تعرف المجتمعات البشرية تطورات دائمة بفعل تراكم المعارف والخبرات وانفتاح الشعوب على التجارب المختلفة لبعضها البعض، فتلاقح التجارب وتبادل الخبرات يؤدي إلى تحقيق المجتمعات لطفرات في تطورها التاريخي. وأول من يتأثر بهذه التحولات النخب وأكثر من يكون رائدها والمتفاعل معها الشباب. وقد اتخذ هذا التطور منحى متسارعا ومضطربا منذ منتصف القرن العشرين بتأثير من عوامل متعددة في مقدمتها ثورة الإعلام والاتصال وتصاعد الرغبة في الهيمنة الثقافية والسياسية للحضارة الغربية. وبشكل عام يكون تطور مجتمع ما إيجابيا حين يعزز مقوماته الذاتية ويقوي تلاحم العلاقات داخله وينمي خبراته ومكانته بين المجتمعات. ولم يكن المجتمع المغربي نشازا في هذا السياق إذ عرفت بنياته الثقافية والاجتماعية تحولات عميقة شملت القيم والسلوكيات والأذواق والأفكار والقناعات والمواقف. فالصورة التي آل إليها تختلف بشكل كبير عن صورته قبل نصف قرن من حيث الارتباط بهويته وقيمه الأصيلة ومن حيث طبيعة العلاقات التي تربط الأفراد والجماعات داخله (الأسرية والقرابية وعلاقات الجوار وغيرها) ومن حيث طبيعة السلوكات والمواقف المعبر عنها والقضايا والاهتمامات التي صارت تشغل المغاربة.

أثارت التحولات التي يتعرض لها المجتمع المغربي جدلا واسعا داخل النخب بل صارت موضوع نقاش تخوض فيه العامة. فهناك فئة تعتبر أن هذه التغييرات إيجابية لأنها تجلب الحرية وتندرج في سياق تحديث المجتمع وربطه بمسار الحضارة والحداثة وإخراجه من براثن التخلف والهامشية الحضارية. لأجل ذلك تدافع هذه الفئة عن هذه التحولات وتنخرط في ترسيخها وتثبيتها وتناضل لتطويرها. وهناك من يندد بهذه التغييرات ويعتبرها تشوهات عميقة وخطيرة أصابت المجتمع في مقتل وتهدد بتفكيكه وفتح باب الاضطرابات مشرعا عليه. ويرتكز هذا الموقف على دعامات أهمها:

ـ أن التحولات التي يشهدها المجتمع جاءت على حساب دينه وهويته وقيمه الأصيلة التي تشكل تاريخه ولحمة نسيجه الاجتماعي.

ـ أن هذه التحولات لم تطور كفاءات المجتمع بقدر ما مسّت المظاهر فقط والأذواق والسلوكات المستوردة وأنشأت حالة من الانبهار اللاواعي بالحضارة الغربية والتمثل الساذج لقيمها المناقضة في غالبها لدين المغاربة.

ـ أن هذه التحولات فتحت الباب لمظاهر مؤلمة من الانحرافات الخطيرة والجرائم الفظيعة التي صارت تتنامى بوثيرة تكاد تكون يومية وتصدم المغاربة باستمرار وتخلق إحساسا دائما بعدم الاستقرار وقلة الأمان.

هذا النقاش يدعو للوقوف والتأمل والبحث عن تفسير موضوعي لفهم ما يحدث من تحولات، هل تندرج ضمن سياق تطور تاريخي طبيعي فرضته عوامل اجتماعية وثقافية وإعلامية؟ أم هي تشوهات كانت، وما تزال، نتاج سياسة رسمية للنظام الحاكم هدفها إغراق المجتمع في التيه وخلق الحاجة الدائمة إليه لضمان الاستقرار ولو في حده الأدنى مما يصب في رصيد مشروعيته؟

ـ2ـ

من المعلوم أن القيم والتصورات والمواقف وأنماط السلوك ذات طبيعة كسبية في الغالب الأعم وتترسخ في شخصيات الأفراد انطلاقا من المجتمع عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية بمختلف قنواتها المعروفة. وفي المجتمعات المعاصرة تطورت آليات هذه التنشئة ووسائلها وصارت أعمق نفاذا إلى النفوس وأكثر تأثيرا في العقول وتوجيها للسلوكات. ولعل من أنجعها وأخطرها الإعلام بأشكاله المختلفة وأدواته المتعددة. لأجل ذلك تبذل معظم الأنظمة الحاكمة ـ خاصة في الدول المتخلفة ـ جهودا جبارة للتحكم في هذه القنوات لتصريف خطاباتها ومشاريعها الاجتماعية وتصوراتها للمجتمع الذي تود حكمه والهيمنة عليه فضلا عن توجيه مسار التغييرات المحتملة في البنى والقيم والعلاقات القائمة فيه. ويقوم التاريخ السياسي المعاصر للمغرب شاهدا على الحرص الشديد للنظام الحاكم على احتكار معظم قنوات التنشئة الاجتماعية، خاصة الأكثر تأثيرا مثل المساجد والإعلام والتعليم وفضاءات التأثير الجماهيري المتعددة، وجعلها وسيلة لتوجيه المجتمع وصناعة قيمه واهتماماته وتوجيه ميولاته وضبط سلوكاته. فالمساجد لا تُصرِّف إلا الخطاب الديني الرسمي الذي يخدم ترسيخ شرعية النظام ويعمل على اختصار الإسلام في مظاهر طقوسية تتناقض مع جوهره وحقيقته، وفي نفس الوقت إقصاء كل الاجتهادات الدينية المخالفة ومحاصرتها وخاصة الحركة الإسلامية. أما الإعلام فالاحتكار المخزني المطلق له واضح وصريح كما أن توظيفه سياسيا وثقافيا بارز، ويكفي أن نذكر أن هذا القطاع كان، ولسنوات طويلة، في قبضة وزارة الداخلية. فالإذاعة والتلفزة وغيرها من وسائل الإعلام الرسمية ليست إلا ناطقا رسميا بلسان النظام الحاكم وأدوات لتوجيه عقول المغاربة ونفوسهم وأمزجتهم وفق ما يخطط ويريد. يقاس على ما سبق مجال التعليم والأنشطة الثقافية والسياسية المختلفة. فهل من المعقول القول أن التحولات التي طرأت على المجتمع المغربي، في بناه وقيمه وقناعاته ومواقفه، تغييرات عفوية وتلقائية أم أنها نتاج تدبير وتخطيط وإشراف رسمي بخلفيات سياسية وثقافية محددة؟ ألم يفتح المخزن الباب مشرعا أمام كل التيارات الفكرية والثقافية الغريبة عن دين الأمة وقيمها ويدعم أنشطتها ويحتضن مؤسساتها ويغدق عليها من مال الشعب بكل سخاء مقابل وَصْدِ الباب في وجه كل الشرفاء والفضلاء والأُصلاء ممن يدافع عن هوية المغاربة وثوابتهم الحضارية؟ ألم يعمل المخزن على تحطيم جدران الحماية الخلقية والثقافية للمجتمع بشكل متدرج وهادئ لإنتاج أجيال من الناس منسلخة عن هويتها مفصولة عن تاريخها؟ أليست الجرائم والانحرافات البشعة التي تطفو على سطح الواقع المغربي عاهات ناتجة بالأساس عن فشل التربية الأسرية والمنظومة التعليمية؟ ألم تصل السياسات المخزنية في مجال التعليم بهذا القطاع إلى الخراب مما انعكس سلبا على شخصيات المغاربة وكفاءاتهم العقلية والنفسية وسلوكاتهم وأنماط علاقاتهم واختياراتهم؟

إن التغييرات التي تتعرض لها المجتمعات لا تكون أبدا حدثا بسيطا وعابِرا بل سيرورة معقدة تتداخل فيها عوامل متعددة وفاعلون مختلفون منهم من يقوم بدور رئيس وآخرون يؤدون أدوارا ثانوية. وكل فاعل يتحمل المسؤولية حسب وزنه السياسي ومكانته الاجتماعية وإمكاناته ومساهماته وتأثيره. ولا شك أن هناك بَوْناً شاسعا بين فاعلين رئيسيين يملكون قدرات هائلة للتخطيط والتأثير وصناعة التصورات والمواقف وتوجيه الاختيارات والميولات وبين فاعلين ثانويين محدودي القدرة والنفوذ.

في المغرب لم يترك تضَخُّم حضور النظام الحاكم، بمؤسساته وأجهزته ونخبه وسياساته وخطاباته وأنشطته..، داخل المجتمع إلا دورا ثانويا صغيرا لباقي المتدخلين للفعل والتأثير. لأجل ذلك ليس من العدل المُساواةُ في المسؤولية بينه وبينهم عما يتفاعل داخل البلد. ولاريب أن أي عاقل أو منصف لن يعتبر ما يتعرض له المجتمع المغربي، تغييرات طبيعية لكنها في الحقيقة تشوهاتٌ عميقة مست جوهره وثوابته وانعكست بخطورة على شخصيات أبنائه وبناته وقناعاتهم وقيمهم وميولاتهم واتجاهاتهم وترهن مستقبلهم وتفتحه على المجهول. والمسؤول الأول عن هذا الوضع هو النظام الحاكم لأن هذه التشوهات ناتجة عن تدبيره ورعايته.