بعد الطالبة الفرنسية المسلمة –انتبه أنها فرنسية- التي منعتها إدارة مدرسة Leo-Lagrange de Charleville-Mezieres التي تتواجد في شمال فرنسا من الدخول بسبب ارتدائها تنورة طويلة. جاء الدور الآن على 30 طالبة بلجيكية مسلمة، حيث منعن من الدخول إلى جامعة Mot-Couvreur لنفس السبب: التنانين عفوا التنانير الطويلة والسبب أنها تعتبر رموزا دينية.

وحق للمرء أن يتساءل: هل التنانير فعلا رموز دينية؟ وهل أصبحت التنورات -كما تساءلت النيويورك تايمز- تهدد العلمانية الغربية؟ هل أصبحت هذه العلمانية من الهشاشة بحيث أضحت مجموعة من الأثواب المصففة من شركات الموضة الغربية نفسها تقوض عرش السيدة اللائكية التي تربعت على عرش إضلال الإنسانية قرونا طويلة؟ تعلمهم وتربيهم وتغذيهم أن لا إله والحياة مادة؟ وأن الحرية الشخصية فوق كل اعتبار؟ وأن الدين لله والوطن للجميع؟ أليس هذا ما يصدع به الغرب رؤوسنا وأبناؤه الذين رضعوا من لبانه من بني جلدتنا؟ وبالمناسبة: لماذا لا نسمع لهم أصواتا؟ لماذا لم يبحوا أصواتهم في استنكار هذه الهجمة الشرسة على مجموعة فتيات فضلن ستر سيقانهن في مقابل أخريات فضلن عرض سلعهن. بينما لو أخطأت جماعة أو حركة إسلامية لملأوا الدنيا صراخا. أم أنهم لا يريدون إغضاب سيدتهم فرنسا حاملة مشعل علمانيتهم. مساكين.

منعتم بالأمس واليوم -يا غربيون يا حماة الديمقراطية والحرية- الخمار فقلنا ربما أن تغطية الوجه يشكل تهديدا أمنيا بعد كثرة التفجيرات. فما بال التنورة؟ نخشى أن يأتي اليوم الذي تخترعون فيه جهازا يقرأ الأفكار. فتمنعون وجود وحياة كل من يخالف أفكاركم بحجة تهديده للعلمانية التي تؤمنون بها وتفهمونها على مقاسكم. فهي حرية وديمقراطية عندما يتعلق الأمر بإباحيتكم وشذوذكم. وهي تهديد وتمييز وتقويض لباطلكم عندما يتعلق الأمر باختيار المرء للباس يتماشى وعقيدته ومبدأه وما يؤمن به.

قولوها صريحة؟ أنتم لا تخشون الأديان؟ إنما تخشون الإسلام، هذا الدين الأشم الأتم، بدل أن تلقوا اللوم على أنفسكم وتقولوا: كيف فشلنا في إدماج أجيال كبرت بين أيدينا، وتعلمت في مدارسنا؟ ونهلت من مناهجنا؟ ورضعت من لباننا؟ وإذا هي ثابتة راسخة على دينها رسوخ الجبال؟ أتدرون ما السبب؟ لأن هذا الدين إذا لامس شغاف القلب فإنه يحيل المرء إنسانا سويا. وحضارتكم قائمة على النفاق وسياسة الكيل بمكيالين. إذا تعلق الأمر بالإساءة للنبي الكريم -بأبي هو وأمي- قلتم حرية التعبير ونحن نؤمن بها إلى أبعد الحدود. فإذا تعلق الشأن بالهولوكوست وإبادة اليهود التي توضع حولها ألف علامة استفهام من علمائكم أنفسهم قلتم: لا لمعاداة السامية. صدعتم رؤوسنا بأشرطتكم المشروخة.

هل أفزعتكم تنورات طويلة اشترتها الفتيات من المحلات التجارية التي أعطيتموها ترخيصا بالبيع. وأعدتها وفصلتها دور الأزياء التي تفتخرون بعلاماتها وتتنافسون في شراء جديدها. لقد اختارت الفتيات أن يرضين ربهن ثم يرضين مجتمعهن من خلال الجمع بين الحجاب والموضة قدر الوسع والطاقة. فقلتم لهن: لا للوسطية والاعتدال، إما أن تتبرجن وتخرجن عاريات أو تلبسن البرقع والنقاب حتى ينفر منكن الجميع. فنكون قد حققنا هدفنا بإظهار الإسلام مظهر البعبع الذي يضيق الخناق على المرأة ويجعلها خيمة متحركة تشمئز منها نفوس الغربيات.

ما الذي تريدون من الفتاة المسلمة المقيمة بين أظهركم؟ إما أن تتعرى لترضيكم وتسخط ربها؟ أو تستتر بلباس شرعي مناسب فتمنعونها من الدراسة والتعليم وقريبا من ولوج المطاعم والإدارات والمرافق العمومية؟ إلهذا الحد أضحت علمانيتكم بيتا من ورق تهدده قطرات من أمطار التنورات و”الفولارات”. لقد كنا نظن أنكم تقفون بحضارتكم على أساس مكين. ولكن ظهر أنكم لستم على شيء.

إن علمانيتكم لا تستهدف إلا المسلمين. وإن قوانينكم التي تصدرونها -ومنها قانون 2004 والذي يمنع ارتداء أي رمز ديني في المدارس- إنما جاءت لاستهداف “البعبع” الإسلامي. خصوصا بعد أن تركتم للمدرسين والأطر الإدارية حرية تحديد ما هو الرمز الديني من غيره. ففتحتم الباب لكل من له فوبيا وكراهية للإسلام والمسلمين ليشفي غيظه وليصير أسدا على المسلمين بينما هو قط مع غيرهم من أتباع الديانات الأخرى. وفي المستقبل القريب سنرى منعا للطلاب المسلمين من دخول المعاهد والمدارس بسبب لون بشرتهم ومن يدري وربما أو بسبب أسمائهم أيضا..

كفى تضليلا وخداعا. لا توجد تنورة ولا خرقة على الرأس تقوض مبادئ العلمانية. إنما بذاتها بأداتها علمانيتكم سيدكها قرن نطوح.

إنكم تمنعون نساء الغرب ورجاله من الالتحاق ب”داعش” وفي نفس الوقت تضيقون ذرعا وتضيقون الخناق على تنورة وخمار. فما الذي يفصلكم عن “الداعشيين”. تطرف في مقابل تطرف. لن تعيشوا بيننا كما تريدون. ولن نترككم تذهبون لتعيشوا كما تشاؤون.

نتمنى أن تستيقظوا قبل فوات الأوان. وقد بدأت نتائج تصرفاتكم تظهر في ردود أفعال بعض المهاجرين كما حدث في مجزرة شارلي وغيرها. وتعلموا من ديننا الحنيف كيف تقبلون الآخر، وتؤمنون بحرية الأديان. وانظروا في بلاد المسلمين كيف يتجاور المسجد مع الكنيسة في تطوان وطنجة وغيرها من بلاد المسلمين، وكيف يتعامل المسلم مع اليهودي والنصراني بيعا وشراء. وتعلموا من النبي الكريم الذي تتنافسون في الإساءة إليه -وما أحداث أمريكا الأخيرة ببعيدة- كيف كان يقول لأزواجه: هل أهديتم لجارنا اليهودي؟ لتعلموا أننا نفوقكم بملايين السنوات الضوئية في معاملة الآخر وإن كنتم تسبقوننا بعشرات السنين في مجال التقنية والحضارة وذلك لأسباب موضوعية يضيق المقام بذكرها وعلى رأسها الفساد المستشري في بلداننا وإلا لكنا لحقنا بكم بل وتجاوزناكم. ثم ما نفع حضارة لا تعود على أصحابها بالنفع في أخلاقهم وقد قال حكيمكم: لقد تعلم الإنسان أن يطير في الهواء كالطير، وأن يسبح في الماء كالسمك. لكنه لم يتعلم بعد كيف يمشي على الأرض كإنسان.

أيها الغرب إن لكم كنائس بجانب مساجدنا. فهل ضقتم ذرعا ب”صاياتنا” قرب “ميكروجيباتكم”. هل هذه هي ديمقراطيتكم.