هذه المقالة بمناسبة الذكرى الرابعة لاستشهاد كمال عماري الذي وافته المنية يوم 2 يونيو 2011، بعد أن تعرض للاعتداء من طرف قوات الامن يوم الأحد 29 ماي 2011.

ها هي الأيام تمر سراعا مُثقَلة بالحنين، تحمل معها الوجع والألم والحسرة على وطن ضاع فيه حق المستضعفين والشهداء. وها هو الأمل يتجدد كما يتجدد الليل والنهار في انتظار إشراقة صبح جديد، تكون فيه الحقوق مُصانة والعدالة لها مَكانة والإنسان له قيمة في هذا الوطن.

وها هي الذكرى الرابعة لاستشهاد كمال عماري تعود من جديد، لتجد الأقلام تَثاقَل في أيدينا وكلمات الرثاء تسقط تباعا أمام طيفه العابر إلينا في كل ذكرى، وحروف الرثاء تَسكبُ عبيرها لتذكرنا بأنه كان بيننا يحمل الخير في يديه، وكلمة الحق بين أضلعه، ويضع الابتسامة على شفتيه، ويلخص لنا الشجاعة في كلمة العزة، فاعتلى بها مقام الرجال؛ فجعلت منه فارسا على صهوة جواده للدفاع عن مبادئه ونصرة أبناء وطنه، رافعا هامته الى عَنَان السماء.

ذكرى تعود من جديد، لتذكر المحبين بقيمة الوفاء لشخص أريقت قطرات دمه في سبيل حرية وكرامة هذا الوطن، فقدم العُمرَ ظِلالاً وارفاتْ، وَجَسّد باستشهاده إرادة جيل حطم جدار المستحيل رغم المحاولات اليائسة لإيقاف عجلة التغيير والالتفاف على مطالبه.

ذكرى تتحدث بخجل عن شاب كان كالنَّسمةِ تنسابُ هَفْهافةً في رَمْضَاء الاستبداد. قمة سامقة في العبادة والعطاء والإيثار والشجاعة، وإرادة مقبلة على الله .

ذكرى تذكر الجلادين بما اقترفته أياديهم الآثمة في حق شاب مُسالم لم يكون يحمل إلا سلاح الكلمة وإرادة التغيير في وطن أصبح القمع والقتل لشعبه عادة، وتحريره من المفسدين والمستبدين عبادة وشهادة.

المبادئ فيه تدور مع السلطان حيث دار، والمصلحة تقدس كأنها أذكار، فتسمع الكلام وضده، والفعل ونقيضه، ومن أجل الوطن يباع الدين، وفي رضى ولي الأمر يقبل كل قرار مُهين، وتسمع جعجعة ولا ترى طحين، والضحية هو هذا الشعب المسكين.

وطن تتيه بين جنبات مؤسساته الحقيقة والانصاف والعدالة، وتضيع من قسوته كل معاني الإنسانية، يُسوى فيه بين مجنون وعاقـلْ وسَحبَانٍ وباقلْ ورذائل وفَضائِل.. “يكذب فيه الصادق ويصدق فيه الكاذب ويؤتمن الخائن ويخون فيه الأمين” وتصبح خفافيش الظلام حمامة السلام والمفسدون سيفا بتارا يلمع في قبضة كل مستبد…

إن الدولة التي ليس فيها عدالة لا مكان فيها للرحمة، وإذا غابت الرحمة حلت محلها القسوة والظلم والفساد والاستبداد بكل أنواعه، ويصبح الجميع رهن إشارة صاحب السلطان، العدل عدله والحكم حكمه ولا رأي إلا رأيه، ويستوي عنده الظالم والمظلوم، إلا من كان ذو حظ عظيم، ويتحول من كان يدعي بالأمس القريب أنه نصير للمظلوم والمقهور إلى مبرر للظلم بداعي الإصلاح والاستقرار.

إن القتل والقمع والمنع لا يقتل الفكرة؛ لكنه يخلدها، فكم من نهضة كانت بدايتها فكرة، وكم من مستبد أطاحت به فكرة؛ فأصبح كالقَشِّ مُهمَل في العدد؛ فألقى التاريخ به “كعير الحي والوتدِ”.

نسأل الله عز وجل للشهيد كمال عماري الرحمة والغفران ولقتلته العار والشنار، فالحق ليس سواه منتصرٌ والله ليس سواه منتقمُ. وجعلنا الله من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. صدق الله العظيم.