بينما كنت أستحضر مقام الدعوة إلى الله عز وجل، وأهميتها، وشرفها، وقيمتها، فـهـي أشرف المهن، ولِم لا وهي مهنة الأنبياء والرسل عليهم السلام. بدأت أستحضر أمام عيني دعاة من الرجال والنساء أفنوا العمر في الدعوة إلى الله. ثم قلت في نفسي ليس فقط الإنسان هو الذي كان داعية إلى الله، بل هناك مخلوقات أخرى دعت إليه سبحانه وتعالى، كالطير والحشرات. ووقفت عند حشرة صغيرة قص الله عز وجل قصتها في القرآن الكريم، لعلكم عرفتموها، إنها النملة، تلك الحشرة العجيبة الغريبة، التي حيرت العلماء. وقلت في نفسي والحيرة تلازمني: إذا كان الإنسان قد كلف بأداء الرسالة، ومع ذلك يتقاعس ويتكاسل، فما بال حشرة صغيرة غير مكلفة تقف موقفا رائعا تستحق أن يذكرها الله عز وجل في كتابه العزيز، بل ويخصص لها سورة كاملة هي من أعظم السور. إنها سورة النمل، وهي سورة مكية، ترتيبها في المصحف 27، جاءت بعد سورة الشعراء وقبل سورة القصص، وعدد آياتها 95 آية. فتعالوا أحبتي نستعرض قصة هذه الداعية علنا نستفيد من حكمتها وذكائها.

يقول الحق سبحانه وتعالى: حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [سورة النمل: 18].

قال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية: أن هذه النملة نادت وأمرت ثم حذرت وأعذرت:

نادت: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ، أمرت: ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ، حذرت: لَا يَحْطِمَنَّكُمْ، أعذرت: وهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.

لقد رأت هذه النملة خطرا قادما، سيقضي على واد النمل بأكمله، سيقضي على أمة من الأمم تسبح الله. قال تعالى: وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: 38].

وفي السنة النبوية أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النمل أمة من الأمم تسبح الله تعالى، فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح” 1 .

قلت: بعد أن رأت الخطر المحدق بأمتها، بادرت بسرعة ونادت من بعيد يَا أَيُّهَا النَّمْلُ فياء النداء (يا) تستعمل للبعيد، ثم أمرتهم بالدخول لمساكنهم على وجه السرعة لأن الخطر اقترب. وأما قولها: ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ففيه إيجاز بالحذف بليغ؛ لأن أصله: ادخلوا في مساكنكم، فحذف منه (في) تنبيهًا على السرعة في الدخول، ومباشرة بعد أمرهم بالدخول، حذرتهم من الخطر، وفي الأخير التمست العذر لسليمان وجنوده بعدم شعورهم بتحطيم النمل.

فماذا يستفيد الدعاة إلى الله من النملة الداعية:

1) المبادرة السريعة لمواجهة الأخطار

هذه النملة أنقذت أمتها. وأمة الإسلام اليوم تحيط بها الأخطار من كل جانب. إن كانت النملة أنقذت قومها من التحطيم فأخلاقنا تحطم يوميا بكل الطرق والوسائل، تحتاج من الدعاة جهدا وتشميرا وبذل الغالي والنفيس لإنقاذ هذه الأمة.

2) إيثار المصلحة الجماعية على المصلحة الفردية

كان يمكن للنملة أن تفلت بجلدها -كما يقال- وتترك الآخرين يواجهون مصيرهم المحتوم. ودعاة اليوم مطالبون بتغليب المصلحة الجماعية لأن غرق السفينة سيُغرق الجميع. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا” 2 .

3) التضحية بالنفس

يبدو أن هذه النملة أول من رأى الجنود، مما يدل على قربها من الخطر، وربما بُعدِها عن مسكنها، فقد استعملت نداء البعيد -كما سبق أن أشرنا- وقد تكون أول من يتعرض للتحطيم، ورغم ذلك لم تتوان عن تحذير بقية النمل.

4) رصد الأخطار بدقة

عرفت النملة أن الخطر القادم هو جنود سليمان وليس أمرا آخر. فمعرفة الداعية بالخطر، يُسهل عليه تحديد طرق مواجهته. والنملة هنا أمرتهم بدخول مساكنهم لأنها الطريقة الوحيدة للنجاة من تحطيم الجنود.

5) التماس العذر وحسن الظن بالآخرين

يا لها من نملة، نادت وأمرت وحذرت، ثم التمست العذر لسليمان وجنوده، لكونهم لن يشعروا بتحطيم النمل أثناء مرورهم. ولو كانت النملة سيئة الظن لقالت: كيف لا يرانا سليمان وجنوده ونحن بالآلاف في هذا الوادي؟ فحسن الظن والتماس الأعذار، خصلتان لابد للداعية أن يتسلح بهما.

6) الرحمة بالخلق والخوف عليهم والدعاء لهم

لو لم تكن هذه النملة رحيمة خائفة على هلاك “قومها” لما حذرت. والنملة من جملة المخلوقات التي تدعو بالرحمة والمغفرة لمعلمي الناس الخير، فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير” 3 .

وقد أجاب الله تعالى دعاء نملة طلبت السقيا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “خرج نبي من الأنبياء يستسقي فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء، فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة” 4 .

7) مخالطة الناس

النملة مخلوق اجتماعي يعيش في جماعات ولا يمكن أن يعيش وحده، وهو مخلوق متعاون متكاثف يشعر كل فرد منه بشعور الآخرين، ويظهر ذلك في سلوك النملة وفي إنذار قومها. ولقد سميت سورة النمل بالجمع ولم تسم بسورة النملة كسورة البقرة أو العنكبوت أو الفيل، لأنها تعيش في جماعات كالنحل تماما. لدا فالداعية مدعو لمخالطة الناس والصبر على أذاهم كما أوصانا رسول الله عليه الصلاة والسلام.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول سبحان الله الخالق، الذي خلق هذه الحشرة الصغيرة الحجم، الكبيرة القيمة، وجعلها عبرة لمن يعتبر، كما أدعو نفسي وإخواني إلى الاستفادة ممن سبقونا من الدعاة رجالا ونساء، حشرات وطيورا، ولعلنا نتحدث في مقال آخر عن الطائر الداعية، هدهد سليمان عليه السلام، نستفيد منه كما استفدنا من النملة. والله سبحانه وتعالى قص علينا قصصهم لنأخذ العبر، فنسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الدعاة إليه، الدالين عليه، آمين.


[1] صحيح مسلم 4/ 1759، برقم: 2241.\
[2] رواه البخاري عن النعمان بن بشير.\
[3] سنن الترمذي 5/ 50، برقم: 2685، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم: 4213.\
[4] المستدرك للحاكم 1/ 473، برقم: 1215، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح 1/ 340.\