أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الدكتور محمد سلمي، منسق الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان وعضو أمانتها العامة، بمناسبة الذكرى التاسعة للحملة المخزنية على الجماعة، فيما يلي نصه:

مضت تسع سنوات على انطلاق ما تسميه العدل والإحسان الحملة التي دشنها المخزن ضدها ابتداء من يوم 24 ماي 2006. هل لكم أن تذكرونا بطبيعة هذه الحملة وأسبابها وسياقها؟

كانت الانطلاقة بمدينة تمارة صبيحة يوم 24 ماي 2006حيث تدخلت السلطات المحلية والقوات العمومية بعنف مفرط لنسف أنشطة الأبواب المفتوحة التي نظمتها الجماعة بالمدينة على غرار ما تم في مختلف مناطق المغرب. كان هدف هذه الأنشطة التواصلية الإشعاعية التعريف من خلال ندوات ومحاضرات بأفكار وبرامج الجماعة وأدبياتها، بدعوة عموم المغاربة إليها بهدف التعرف على الجماعة. وقد لقيت أيام الأبواب المفتوحة إقبالا جماهيريا كبيرا لم تستسغه الدولة، وعبر عن ذلك وزير الداخلية لإحدى وسائل الإعلام الأجنبية، بما يفيد أن الجماعة خرجت من دائرة الصفة القانونية لما كثفت من أنشطتها. توالت في ذات اليوم وفي الأيام الموالية في مدن أخرى الهجمة التي سيق بسببها المئات من رجال ونساء الجماعة من بيوتهم التي اقتحمتها القوات العمومية ورجال السلطة وأعوانهم إلى مخافر الشرطة حيث الاستنطاقات والمحاضر ومحاكمات العديد من الأبرياء… أتلفت المعدات الخاصة بالأنشطة، وسرقت الأمتعة من هواتف وكاميرات وحواسيب… واعتدي بالضرب والشتم والإهانات على العديد من أعضاء الجماعة.

ماذا خلفت هذه الحملة من خروقات في حق الجماعة؟

لقد ساهمت هذه الحملة في فضح كثير من الشعارات التي رفعتها الدولة، من قبيل المصالحة والإنصاف، وبناء دولة الحق والقانون، والديمقراطية، والحداثة… فالحملة لم تتوقف عند نسف الأبواب المفتوحة، بل توسعت دائرة التضييق بعد ذلك لتشمل مجالس النصيحة، وهي لقاءات داخلية ينظمها أعضاء الجماعة في سياق ممارسة حقهم في التدين الذي سلبتهم الدولة إياه بهيمنتها على المساجد. فقد منعوا من الوعظ والإرشاد والخطابة والإمامة والاعتكاف وخدمة المساجد وجمعيات بنائها… وتجاوز عدد من اعتقلوا في إطار الهجمة على مجالس النصيحة سبعة آلاف من الرجال والنساء، حكم على عدد كبير منهم بالغرامات التي عرفت في إعلام الجماعة بـغرامات القرآن الكريم) لمحورية القرآن في برنامج هذه المجالس. ثم ازداد الخناق ليشمل الجمعيات التي ينخرط فيها أعضاء الجماعة، وصدرت في الموضوع تقارير دولية تؤكد أن قانون الجمعيات بالمغرب حبر على ورق، وأن المواطنين المنتسبين للعدل والإحسان لا حق لهم حتى في تأسيس جمعيات آباء التلاميذ. حيث منعت المئات من الجمعيات التي كانت تزاول أنشطتها، من مقراتها ومن دور الشباب ومن الفضاءات العمومية، ومنعت أخرى من التأسيس، واشترط عليها ألا يكون من بين أعضائها من ينتسب للعدل والإحسان. منع الآلاف من الأطفال من التخييم، وشلت الأعمال الاجتماعية التي كانت الجماعة تقوم بها. تواصل منع الجماعة من الإعلام، ومن حقها في الإعلام العمومي، ومنع الإعلام من التواصل معها، أو التعاطف مع قضاياها. لفقت تهم متنوعة من جديد لها، وأقيمت محاكمات صورية، وشمعت بيوت ومقرات بوجدة والناضور وزايو وبوعرفة وتازة وتمارة.. وطرد منها أهلها. تواصل التضييق في حق معتقلي الجماعة السابقين الإثني عشر، واعتقل أبرياء أخرون وعلى رأسهم عمر محب، رشيد غلام، ويحيى فضل الله، وآخرون… ومارست أجهزة الدولة التعذيب في حق أعضاء الجماعة، خاصة في حق القياديين السبعة بفاس، ومناضلي حركة 20 فبراير التي انخرطت الجماعة في تأسيسها ودعم أنشطتها منذ انطلاقتها، فازدادت حدة التضييق والاستهداف، وكان من نتائجها استشهاد كمال عماري رحمه الله بأسفي على إثر اعتداء همجي لقوات المخزن عليه بعد إحدى مسيرات حركة 20 فبراير بالمدينة.

هل ما زالت بعض تلك الملفات عالقة من تلك الفترة إلى الآن؟

بالطبع، عديد من الملفات لم تحل بعد فالأخ عمر محب لا يزال قيد الاعتقال ظلما وعدوانا، وفي ظروف سيئة للغاية، عائلة الشهيد كمال عماري رحمه الله تطالب بحقها ولا جواب لحد الآن، البيوت المشمعة ملف عالق أيضا، ولم يجبر بعد ضرر من أعيد فتح بيوتهم، ملفات الجمعيات الممنوعة بدون مبرر قانوني يفضح الدولة فضحا كبيرا، المحاكمات الصورية المتواصلة في قضايا متنوعة استهدف بها إخوة من مناطق مختلفة يحيى فضل الله على سبيل المثال في قضية اجتماعية يواكبها المغاربة باهتمام كبير ألا وهي قضية سكان سيدي بوزكري بمدينة مكناس، قضية غرامات القرآن الكريم، محاكمة الأستاذة ندية ياسين…

كيف واجهت الجماعة هذه الحملة التي استمرت سنوات وكيف تعاملت معها؟

إنها ملفات وقضايا كثيرة ومتنوعة، واكبت المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية وآليات الأمم المتحدة بعضها. وواجهتها الجماعة بحكمتها المعهودة، لكن ذلك لم يتن الدولة وأجهزتها عن مواصلة التضييق على الجماعة وانتهاك حقوق أعضائها.

هل يمكننا اليوم أن نقول بأن تعسف السلطة وقمعها اتجاه الجماعة، باعتباره كان أساس تلك الحملة، قد انتهى والعلاقة بينهما أصبحت طبيعية أو على الأقل تشهد هدنة مؤقتة؟

أبدا، فالقمع والمنع متواصلان، وتختلف الحدة حسب المناسبات والظروف. لكن تعليمات التضييق لم تسحب بعد.

فماذا تطلب الجماعة من الدولة لتكف عنها أجهزتها القمعية؟

لعل هذه الندوة التي تأتي تخليدا لهذه الذكرى جاءت متزامنة مع ردة حقوقية تميزت بتوسيع دائرة التضييق ليشمل جمعيات حقوقية أخرى، وتتزايد التهم الملفقة المتنوعة والمفضوحة، في ظل انتهاك صارخ لحقوق المغاربة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية والمدنية، وضدا على المبادئ والقيم الإسلامية للشعب المغربي، وضد الأعراف والقوانين والتزامات المغرب مع المنتظم الدولي في مجال حقوق الإنسان. فبهذه المناسبة نجدد إدانتنا لكل هذه الانتهاكات التي تمس حقوق الجماعة وأعضاءها، وتمس الجمعيات والهيئات والأصوات الحرة في هذا البلد، ونشدد على ضرورة محاسبة المسؤولين عنها، وندعو إلى طي أقدم وأضخم ملف الانتهاكات الحقوقية في تاريخ المغرب المعاصر، ملف العدل والإحسان.